“ابقَ يا قتيبة”… حين طُلب من الصبر أن يصبر أكثر مما يحتمل!عن نظام الخدمة المدنية رقم (9) لسنة 2020 … عن المرّ الذي لا يمر… بل يُقنَّن!… عن حكومات حوّلت الصبر من قيمة إلى الصبر كَـ فخ.! حين يُلغى الدور… ويُفتح الباب الخلفي:

المـلاذ – في لحظةٍ ستُسجَّل في الذاكرة السياسية الأردنية، وقف رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز مخاطباً شاباً أردنياً أراد الهجرة هرباً من البطالة، وقال له جملته الشهيرة:
“ابقَ يا قتيبة”..

لم تكن العبارة عادية، بل قُدِّمت بوصفها وعداً أخلاقياً، ورسالة أمل، وطلباً وطنياً بالصبر.

ثم قال للشعب كله، لاحقاً:
“كل مرٍّ سيمر”..
وكان المقصود واضحاً: تحمّلوا، فالصبر سياسة، والوجع مرحلة، والعدالة قادمة.

لكن ما لم يُقَل يومها، هو أن بعض المرّ لا يمر… بل يُقنَّن.

من الصبر كقيمة… إلى الصبر كفخ:

في شباط 2020، أُقِرّ نظام الخدمة المدنية رقم (9) لسنة 2020 في عهد حكومة الرزاز.

نظامٌ غيّر فلسفة التعيين في القطاع العام، ونقلها عملياً من مبدأ “الدور” و”الزمن” و”المخزون” — أي انتظار عشرات آلاف الأردنيين لسنوات طويلة — إلى نظام تنافسي مفتوح، يُفترض أنه أكثر عدالة… لكنه أتى بلا انتقال عادل، ولا ضمانات، ولا تعويض للمنتظرين.

النتيجة العملية كانت واضحة وصادمة:

الزمن لم يعد معياراً
سنة التخرج فقدت قيمتها
الدور صار ذكرى
والانتظار الطويل… صار خطأ شخصياً
هكذا، تحوّل الصبر الذي طُلب من الناس إلى عبءٍ عليهم وحدهم.

حين يُلغى الدور… ويُفتح الباب الخلفي:

في المقابل، وبينما كانت آلاف الطلبات “القديمة” تُركَن تحت مسمّى “المخزون”، بدأت تظهر تعيينات سريعة، خاطفة، لا تنتظر دوراً ولا تنافس زمناً.
تعيينات في يومٍ وليلة.
لخريجين جدد.
من أبناء وبنات مسؤولين.
بينهم ابنة وزير، وأفراد من عائلته كما تم تداوله، وأبناء متنفذين ومسؤولين كُثُر غيره في مواقع حكومية حسّاسة.

وهنا، لم يعد السؤال:
هل النظام تنافسي أم لا؟
بل: لمن تُفتح المنافسة؟ وعلى أي باب؟

“كل مر سيمر”… إلا مُرّ المنتظرين:

كيف يُقنِع خطاب الصبر شاباً انتظر 10 أو 15 أو 17 سنة على الدور، ثم قيل له فجأة:
“ابدأ من جديد… نافِس من تخرج أمس”؟
كيف يُطالَب بالصبر، بينما يرى آخرين يقفزون فوق الزمن، لا لأنهم أفضل، بل لأنهم أقرب؟
الصبر، حين يُفرَض بلا عدالة، لا يصبح فضيلة… بل سياسة استنزاف.

من قال “ابقَ”… هل بقي مع الناس؟
الرزاز لم يكن وحده من أقرَّ النظام، فالمسؤولية سياسية جماعية، لكن الرمزية هنا قاتلة:
من قال للشباب “ابقوا”، أدار ظهره لاحقاً لمن بقوا فعلاً… وانتظروا… وصبروا.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:

الشباب الذين هاجروا… أنقذوا أنفسهم
الشباب الذين بقوا… عُلِّقوا بين نظام قديم أُلغي، وجديد لم يعترف بانتظارهم

الخلاصة: الغضب ليس فجأة… بل مؤجَّل:

ما نشهده اليوم من احتجاجات وتساؤلات وغضب شعبي، ليس وليد تعيين واحد، ولا اسم واحد.
إنه نتيجة تراكم وعدٍ بالصبر، ثم سحبه إدارياً، دون اعتذار، دون مرحلة انتقالية، ودون عدالة إنصاف.
الناس لم تَثُر لأن النظام تغير،
بل لأن الوعد تغيّر بعد أن دفعوا ثمنه أعمارهم.
وإلى قتيبة… وكل من بقي:
الصبر ليس خطيئة،
لكن تحويله إلى سياسة… هو الجريمة.

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *