في الدول التي تحترم معنى “الرعاية الاجتماعية”، يأتي الضمان الاجتماعي كنتيجة طبيعية للعمل:
اعمل 👈 اكسب 👈 ادفع 👈 ثم احصل على الأمان عند الكِبر.
أما في الأردن، فقد قُلبت المعادلة رأساً على عقب:
ادفع… لأنك تحاول أن تعمل.
الضمان الاجتماعي الأردني يصر على تعريف نفسه بوصفه “مظلة حماية”، لكنه في الواقع تحول، في حياة آلاف الشباب، إلى أداة استنزاف وإذلال اقتصادي، تُطارد الإنسان في بداية طريقه، لا في نهايته.
*** مفارقة فاضحة: حماية الشيخوخة بتدمير الشباب
يقول الضمان الأردني إنه معنيٌّ:
بشيخوختك، وبمخاطر الكِبر، وبالأمان بعد عمرٍ طويل
لكن السؤال البسيط الذي يرفض الإجابة عنه:
من يرعى الإنسان في شبابه؟ كيف تدَّعي القلق على شيخوخة شخص:
بلا وظيفة
بلا دخل
بلا شبكة أمان
وفي اقتصاد يعاني من بطالة وفقر وفرص محدودة؟
أي أخلاق اجتماعية هذه التي تطلب من شابٍ عاجز عن تأمين يومه أن يمول تقاعده قسراً؟
*** الولايات المتحدة: نظام قاسٍ… لكنه عادل
في الولايات المتحدة — رغم قسوة الرأسمالية — يوجد منطق:
لا دخل؟ لا اشتراك..
مشروع خاسر؟ لا دفع..
لا أرباح؟ لا مطاردة..
الضمان هناك يتبع الدخل، لا يختلقه، ولا يُحوِل الفشل المؤقت إلى جريمة دائمة.
الأردن: ادفع لأنك وُجدت…
في الأردن:
صاحب المشروع المتعثر يُجبر على تسجيل نفسه “موظفاً”.
يُفرض عليه اشتراك شهري ثابت، حتى لو كانت أرباحه صفراً.
ثم تُفرض عليه غرامات وفوائد بنسبة ٩٪ عند العجز عن الدفع.
ثم يُقال له ببرود إداري: هذا من أجل مستقبلك.
أي مستقبل يُبنى بالديون؟
وأي رعاية اجتماعية تبدأ بالكمبيالات؟
انهم شباب قرروا أن يعيشوا بمفردهم وليس شركات كبرى تسعى للربح والترف… انهم شباب حاول النجاة، الشباب الأردني لا يفتح مشروعاً صغيراً ترفاً،
ولا بحثاً عن الثراء،
بل هرباً من:
بطالة مزمنة
رواتب لا تكفي الحد الأدنى للعيش
وسوق عمل مغلق
فيلجأ إلى المشاريع الصغيرة،
فتأتي الدولة لا لتدعم، ولا لتخفف،
بل لتفرض عليهم جزية إجبارية باسم الضمان الاجتماعي.
جزية لا تُفَرِق بين:
شركة عملاقة، ومحل صغير بالكاد يتنفس
ولا تعترف بأن:
من لا يملك دخلاً، لا يمكنه الادخار قسراً.
الدولة التي لا توفر عملاً… لا يحق لها معاقبة من يحاول.
الدولة التي:
لا تخلق فرص عمل كافية.. ولا توفر شبكة أمان حقيقية.. ولا تحمي المشاريع الصغيرة..
لا تملك أي مبرر أخلاقي أو اجتماعي لإجبار شبابها على دفع اشتراكات شهرية ثابتة، ثم معاقبتهم حين يعجزون.
هذا ليس ضماناً اجتماعياً.. هذا نقل منظم للفشل الاقتصادي من الدولة إلى الفرد.
*** الخلاصة: تناقض صارخ وظالم
الضمان الاجتماعي الأردني، بصيغته الحالية:
لا يرعى الشباب
لا يحمي المبادرات
لا يخفف الفقر
بل:
يُنتج مديونية
يثقل المشاريع المتعثرة
ويقتل المحاولة في مهدها
ثم يطالبنا بالتصفيق لأنه “يحمي شيخوختنا”.
نحن لا نرفض الحماية.. نحن نرفض أن تُموَّل الشيخوخة بسحق الشباب.
سؤال أخير لا بُدَّ منه
هل تريد الدولة:
مواطنًا آمناً في شيخوخته؟
أم
شاباً مكسوراً قبل أن يصل إليها؟
لأن السياسات الحالية تجيب بوضوح…
لكن الإجابة مخجلة
*** حين تتحول “الرسوم” إلى جباية بلا مقابل
لا يقتصر الخلل على الضمان الاجتماعي وحده، بل يتسع ليشمل ثقافة كاملة من الجباية تُمارَس على المشاريع الصغيرة تحت غطاء “التنظيم” و“الترخيص”.
فلا يُعقل، ولا يُقبل، ولا يُفهم، أن تُطالَب شركة صغيرة — متعثرة أصلاً — بدفع رسوم أو اشتراكات أو غرامات سنوية لجهات:
لا تدعمها
لا تحميها
لا تقدم لها شيئاً
ولا توفر لها أي منفعة حقيقية
ومع ذلك، تُجبَر على الدفع بصرف النظر عن دخلها أو خسارتها، وكأن وجودها بحد ذاته جريمة مالية يجب التكفير عنها.
هذه ليست رسوم خدمات، وليست اشتراكات مهنية،
بل جباية صرفة بلا مقابل، تُفرَض على الضعيف لأنه الأسهل، وتُمرَّر تحت رعاية دولة تعرف، وترى، وتصمت.
*** المشكلة ليست في جهة… بل في عقلية
الخطر الحقيقي ليس في مؤسسة بعينها، بل في عقلية رسمية ترى في كل مشروع صغير:
مصدر تحصيل لا كياناً يحتاج حماية.
عقلية لا تسأل:
هل المشروع قادر؟
هل يحقق دخلاً؟
هل استفاد فعلاً من هذه الجهة؟
بل تسأل فقط:
كم سندفعه هذا العام؟
قانون الضمان الاجتماعي المؤقت رقم (30) لسنة 1978
كان منطقياً يعتمد مبدأ الشمول التدريجي، وليس الشمول الشامل.. فبموجب هذا القانون:
لم تكن كل المنشآت مشمولة تلقائياً الشمول كان يتم:
حسب عدد العاملين، وبقرارات تصدر عن: مجلس الوزراء ،أو مؤسسة الضمان الاجتماعي.
فالشمول الإجباري كان يبدأ بـ:
المنشآت الكبيرة، ثم المتوسطة، ثم الصغيرة
وكان يُحدَّد بقرارات مثل:
“تُشمل المنشآت التي يعمل لديها 50 عاملاً فأكثر” ثم 20، ثم 5
أما:
المنشآت التي لديها عامل واحد أو اثنان
أو مشاريع صغيرة لم تكن مشمولة إلزامياً، وكان شمولها اختيارياً.
إلى أن جاء مجلس النواب السابع عشر ، ووافق على
.. قانون الضمان الاجتماعي رقم (1) لسنة 2014
.. الذي ركّز على أن الشمول يعتمد على ممارسة العمل لدى منشأة مسجلة رسمياً، وليس على عدد العاملين فقط..
