أخصائي نفسي عن فيديوهات دكتور فود وشروق : المضطرب نرجسياً يستفز ضحيته حتى تنفعل ثم يقوم بتصوريها من أجل ابتزازها في مشهد يجتزء الحقيقة الكاملة- مشهد يظهر رد الفعل ويخفي الفعل المسبب-

أعادت الفيديوهات المتداولة للدكتور فود وشروق فتح النقاش حول طبيعة السلوك الذي يظهر داخل بعض العلاقات المضطربة، بعدما ركّز جزء كبير من الجمهور على ردود فعل شروق الانفعالية، وذهب البعض إلى وصفها بأنها «غير متزنة» أو حتى أوصاف اخرى.

إلا أن أخصائياً نفسياً يرى أن التركيز على لحظة الانفجار وحدها قد يقود إلى استنتاج معاكس تماماً لما حدث فعلياً داخل العلاقة، موضحاً أن ردة فعل الشخص تحت الضغط لا يمكن فصلها عن السلوكيات التي سبقتها.

ويقول الأخصائي إن ما يظهر في بعض المقاطع المتداولة يتوافق مع نمط معروف في العلاقات التي يكون أحد أطرافها ذا سمات نرجسية شديدة: استفزاز الطرف الآخر بصورة متكررة، دفعه إلى فقدان السيطرة الانفعالية، ثم توثيق لحظة الانفعال واستخدامها لاحقاً كدليل ضده أمام الآخرين.

ويؤكد أن هذه الطريقة لا تجعل ردة فعل الضحية صحيحة أو مبررة في كل الأحوال، لكنها تطرح سؤالاً أكثر أهمية: ماذا حدث قبل أن تبدأ الكاميرا بالتسجيل؟

الاستفزاز أولاً.. ثم الكاميرا

بحسب الأخصائي، فإن إحدى أكثر النقاط دلالة في هذا النوع من السلوك هي التوقيت.

ففي النزاع الطبيعي، قد يقوم أحد الطرفين بتصوير الخلاف لحماية نفسه أو توثيق ما يحدث.. لكن عندما يصبح التصوير متكرراً، ويظهر تحديداً عندما يصل الطرف الآخر إلى أقصى درجات الانفعال، فإن الأمر يستحق قراءة مختلفة.

ويشرح الأخصائي أن الشخص الذي يمتلك نمطاً نرجسياً من التعامل قد لا يدخل المواجهة بهدف حل المشكلة أصلًا، وإنما بهدف السيطرة على المشهد وعلى الطرف المقابل.

وقد يبدأ ذلك بالاستفزاز، أو الاستفزاز العاطفي، أو الإنكار، أو قلب الحقائق، أو الضغط النفسي، إلى أن يصل الطرف الآخر إلى مرحلة يفقد فيها هدوءه.

وعندها تأتي الكاميرا.

«المشكلة أن الكاميرا توثق النتيجة ولا توثق بالضرورة السبب»، يقول الأخصائي، موضحاً أن الشخص الذي يشاهد الفيديو للمرة الأولى قد يرى امرأة تصرخ أو تبكي أو تتصرف بعنف، لكنه لا يرى بالضرورة الساعات أو الأيام أو الأحداث التي سبقت هذه اللحظة.

صناعة «المجنونة»

ويعتبر الأخصائي أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الحالات هو انتقال النقاش من “ماذا فُعل بها؟” إلى “انظروا كيف تتصرف هي”.

فبدل أن يبقى السؤال حول السلوك الذي سبق الانفجار، تتحول الضحية نفسها إلى موضوع المحاكمة.

يتم تداول الفيديو، ويبدأ الجمهور في تحليل صراخها، وملامح وجهها، وكلماتها، وطريقة تصرفها، ثم تظهر أوصاف مثل «مجنونة»، «هستيرية»، «غير متزنة» أو «تحتاج إلى علاج».

وهنا، بحسب الأخصائي، قد يكون الجمهور قد وقع في الفخ نفسه الذي يقع فيه المحيط الاجتماعي داخل العلاقة: الحكم على رد الفعل مع تجاهل الفعل الذي سبقه.

قلب الأدوار.. من المعتدي إلى الضحية

ويشرح الأخصائي أن من السمات التي تظهر في العلاقات النرجسية ما يُعرف بقلب الأدوار؛ أي أن الشخص الذي بدأ السلوك المؤذي أو الاستفزازي ينتهي به الأمر إلى الظهور أمام الآخرين باعتباره الضحية.

ويقول إن هذه العملية قد تتم من خلال إعادة سرد الأحداث بطريقة انتقائية، أو التركيز على اللحظة التي فقد فيها الطرف الآخر أعصابه، أو تقديم التسجيلات التي تُظهر رد الفعل فقط.

وبذلك يصبح المشهد أمام الجمهور بسيطاً:

شخص هادئ يصور، وشخص غاضب أمام الكاميرا.

لكن الواقع النفسي قد يكون أكثر تعقيدًا بكثير.

الـ Gaslighting.. عندما يبدأ الإنسان بالشك بنفسه

ويلفت الأخصائي إلى سلوك آخر يرتبط بالعلاقات النرجسية، وهو التلاعب النفسي المعروف باسم Gaslighting.

وفي هذه الحالة لا يقتصر الأمر على الكذب، وإنما قد يصل إلى إعادة صياغة الواقع بصورة متكررة تجعل الطرف الآخر يشك في ذاكرته وإدراكه للأحداث ومشاعره.. يصنع المضطرب النرجسي المؤامرات ويحيك الألاعيب ليشكك الضحية بنفسها ويشكك الآخرين بها ولكن بشكل غير مباشر حيث يظهر امام العالم بانه داعم لها ويمدح بها وكريم وجيد معها ولكن ما خفي اعظم.

قد يحدث شيء، ثم يتم إنكاره.

وقد يتم استفزاز الشخص، ثم يقال له إنه «حساس أكثر من اللازم».

وقد يتم تجاوز حدوده، ثم يتم اتهامه بأنه هو من يصنع المشاكل.

وقد يصل الأمر في النهاية إلى أن يبدأ الشخص نفسه بالسؤال:

«هل أنا فعلاً المشكلة؟ هل أنا مجنونة؟ هل أنا أبالغ؟»

وهنا تصبح الضحية أكثر قابلية للانفعال، لأن الإنسان الذي يفقد ثقته بإدراكه للواقع يعيش حالة مستمرة من التوتر والارتباك.

التثليث.. لماذا يدخل دائماً شخص ثالث؟

ومن السلوكيات التي يضعها الأخصائي ضمن دائرة الاهتمام ما يسمى بـ Triangulation أو التثليث، أي إدخال طرف ثالث إلى العلاقة بصورة تؤدي إلى زيادة الضغط النفسي.

وقد يكون هذا الطرف الثالث امرأة أخرى، أو الأم، أو أحد أفراد العائلة، أو صديقًا، أو حتى شخصًا يتم استخدام اسمه أو وجوده لإثارة الغيرة والشك.

ويشرح الأخصائي أن الهدف في بعض العلاقات النرجسية ليس بالضرورة وجود علاقة حقيقية مع الطرف الثالث، وإنما استخدامه كأداة نفسية.

مرة لإثارة الغيرة.

ومرة لإشعار الضحية بأنها قابلة للاستبدال.

ومرة لوضعها في مواجهة مع شخص آخر.

ومرة لجعلها تبدو وكأنها الطرف الغيور أو غير المتزن.

وبذلك يتحول الصراع من العلاقة الأساسية إلى شبكة من الأطراف، يصبح فيها الشخص المستهدف تحت ضغط مستمر.

الشخص المصاب باضطراب النرجسيه يختار ضحيته بعنايه يجب ان تكون جميله مرغوبه او ذات مال او سلطه ولديها ماضي او نقاط ضعف حتى يستغلها جيدا عند الحاجه او عند انتهاء العلاقه فهو يكون مدرك تماما لكل شارده ووارده ولكنه يصمت عندما يريد ويتحدث عندما يخدمه الامر .

لماذا لا يمكن قراءة شروق من خلال الفيديو فقط؟

ويؤكد الأخصائي أن مشاهدة شروق وهي تصرخ أو تنفعل لا تسمح للجمهور بأن يقرر أنها شخصية مضطربة أو «مجنونة» أو غير متزنة.

فالشخص الهادئ بطبيعته قد يصبح انفعالياً جداً عندما يوضع تحت ضغط نفسي مستمر.

والشخص المتزن قد يصرخ.

والشخص الذي لم يكن عنيفاً قد يدفع أو يرمي شيئاً في لحظة انهيار.

وهذا لا يعني أن السلوك خاطئ أو أنه يجب تبريره، لكنه يعني أن السلوك في لحظة الانهيار لا يكفي وحده لتعريف شخصية الإنسان بأكملها.

ومن هنا، يرى الأخصائي أن الحكم العادل لا يجب أن يكون:

«شاهدناها غاضبة، إذاً هي المشكلة».

بل:

«ماذا حدث قبل أن تغضب؟»

عندما تصبح الكاميرا جزءاً من الصراع

ويضيف الأخصائي أن استخدام التسجيلات المصورة أمام الجمهور يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط بحد ذاته، خصوصًا إذا كان الشخص يعلم أن نشر أسوأ لحظات الطرف الآخر سيؤثر في صورته الاجتماعية.

فالضحية هنا لا تواجه الشخص الآخر فقط، وإنما تواجه أيضاً احتمال أن يتم تحويل لحظة ضعفها إلى مادة عامة للحكم عليها.

وهذا ما يجعل المسألة، بحسب الأخصائي، أكثر تعقيداً من مجرد «خلاف بين زوجين».

فإذا كان أحد الطرفين يمتلك القدرة على التحكم في الكاميرا، واختيار اللحظة التي يبدأ فيها التسجيل، وانتقاء المقطع الذي سيتم نشره، فإنه يمتلك أيضًا قدرة كبيرة على تحديد الرواية التي سيشاهدها الجمهور.

السلوك المتكرر هو الدليل الأقوى

ويؤكد الأخصائي أن النرجسية لا تُقرأ من حركة واحدة أو كلمة واحدة أو فيديو واحد، وإنما من النمط المتكرر.

فالعلامات التي تستحق الدراسة تظهر عندما تتكرر مجموعة من السلوكيات: الاستفزاز، التقليل من شأن الطرف الآخر، التلاعب النفسي، قلب الحقائق، تحميل الضحية مسؤولية ما يحدث، إدخال أطراف ثالثة، تصوير لحظات الانفعال، ثم استخدام تلك اللحظات لتشويه صورة الطرف الآخر.

وعندما تتكرر هذه الدائرة، فإنها تصبح أكثر أهمية من أي فيديو منفرد.

ويشدد الأخصائي على أن وصف شخص بأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية يظل تشخيصاً سريرياً لا يمكن إصداره اعتماداً على محتوى مواقع التواصل وحده، لكن السلوكيات النرجسية يمكن تحليلها عندما تكون موثقة ومتكررة.

الحقيقة التي لا تظهر في الفيديو

وفي النهاية، يرى الأخصائي أن أكبر خطأ قد يرتكبه الجمهور هو اعتبار الفيديو القصير «الحقيقة كاملة».

فربما تكون الثواني التي شاهدها الجمهور حقيقية فعلاً.

وربما تكون ردة الفعل حقيقية أيضاً.

لكن الحقيقة الكاملة قد تكون أكبر بكثير من تلك الثواني.

ويختصر الأخصائي المسألة بالقول:

«لا تحكم على الإنسان من اللحظة التي فقد فيها أعصابه قبل أن تسأل: من أوصله إلى هذه اللحظة؟»

ففي العلاقات المضطربة، قد لا تكون أخطر لحظة هي لحظة الانفجار التي تلتقطها الكاميرا، وإنما كل ما حدث قبل أن يبدأ التسجيل

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *