المخرجة الأردنية زين دريعي تُقدم فيلم «غرق» وتمهد الطريق لرفع التابو عن الأمراض النفسية

يبدأ فيلم «غرق» من بركة السباحة، وفيها الأم وابنها بين غوص تحت الماء وسباحة على سطحه. مشهد يختزل بعضاً من المأزق النفسي الذي قررت المخرجة الأردنية زين دريعي معالجته في فيلمها الروائي الأول «غرق». فهل هو مشهد يقول بأن أمراضنا كبشر وخاصة النفسية تحمل بذورها ونحن نغوص ونسبح داخل الرحم؟ ربما.

فيلم «غرق» يحمل أكثر من مشهد رمزي والتماهي بين بركة السباحة والرحم أحدها. في الرحم نسبح فرادى برعاية وحماية الأم. وفي الحياة قد نطيل السباحة معها بخاصة الذكور منا مشيرين ومؤكدين إلى متانة العلاقة مع الأم، لا بل الحضور الأكيد للأوديبية.
غالباً ما تسيطر الصورة القاتمة على فيلم غرق. كما أنه يتّسم بالحوارات المُقلّة، إذ يتخلله صمت ويتبعه كلام محدود. وكأني بالصمت وقد بات شخصية تمثيلية واضحة في الفيلم، إنما غير معترف بها في قائمة الممثلين. إذ يمكن وصف فيلم «غرق» بعد مشاهدته بأنه فيلم مشاعر، وفيلم حوار داخلي. هذا الفيلم البصري الذي تتكلم فيه العيون وحركة الجسد، هو الأول من نوعه في الوطن العربي الذي أفرد وعبر الفن السابع مساحته كاملة لتصوير كيفية تعامل العائلة العربية مع مشكلة نفسية يعيشها أحد أبنائها. التصوير كان دقيقاً، والمشاهد تمّ اختيارها بناء على دراسة مسبقة لها. فقد تعمّقت المخرجة زين دريعي بأبحاثها حول مرضين نفسيين، وقابلت مختصين لتكون على بينة بما تقوم به. ولم تكتف بالبحث الخاص، بل جعلت من بطلها باحثاً إلى جانبها في الموضوع نفسه، ليتمكن من أداء دوره على أكمل وجه.
وكان اختيارها للعائلة التي يفترض أن ابنها مريض نفسي ويحتاج لمساعدة وليس نكراناً، من الطبقة البرجوازية في الأردن مُصيباً كي لا يُعمم الجهل بكيفية مقاربة شرقنا لمشاكل الأبناء على منهم فقراء أو متوسطي الحال.
فيلم أظهر الكثير من العناية والحب اللذين خصصتهما الأم لإبنها في سبيل مساعدته على تخطي مشاكله، لكنها لم تفلح. وهذا ما يؤكد بأن المشاكل النفسية التي قد تعترض فرداً من العائلة يستحيل أن تجد حلّها عبر الحب وحدة.
عمل المخرجة على مدى ثلاث سنوات مع بطل فيلمها محمد نزار جعله متماهياً تماماً مع دوره، فصدقناه جداً. وكذلك نجحت في اختيار الممثلة الفلسطينية كلارا خوري لدور الأم المجتهدة في نكران ما هو عليه ابنها.
فيلم «غرق» عُرض في بيروت/سينما متروبوليس على مدى أسبوعين، وهنا حوار مع مخرجته الأردنية زين دريعي:
○ «غرق» فيلمك الروائي الأول وعبره عالجت عنواناً إشكالياً في مجتمعاتنا المغلقة. لماذا شغلك المرض النفسي؟
• قصة تعني لي كثيراً من دون الدخول في تفاصيل شخصية، فهي مستوحاة من الحياة. صحيح هو موضوع شائك ومجتمعاتنا العربية تتجنب الحديث عنه. فنحن مجتمعات تُقلل من شأن الصحة النفسية، في حين أنها بالغة الأهمية في مسار حياة البشر. موضوع الصحة النفسية لم يتناوله المخرجون العرب من قبل. كمخرجة من جيل الشباب رغبت بمعالجته كموضوع جديد على الشاشة الكبيرة. شكّل مفاجأة كونه لم يُتَوقع منا، وغير مُتَوقع من بلد كما الأردن. وجدت ضرورة لكسر الصورة النمطية التي تحيط بنا، وتقديم ما هو مختلف.
○ تسليط الضوء على الحياة المغلقة للعائلات حدث لأول مرة أردنياً أم ينسحب كذلك على السينما العربية بشكلها العام؟
• بل عربياً. الإقبال على الفيلم ووصوله إلى الجمهور العالمي شكل مفاجأة بالنسبة لي، خاصة خلال عرضه الأول في مهرجان تورنتو، ومن ثم عرضه في لندن. شعر المتفرجون بقربهم من الفيلم، وقربه منهم كموضوع.
○ ما الذي أردت قوله في «غرق»؟
• برأيي أن السؤال المركزي للفيلم «هل الحب يكفي»؟ ربما يكفي، إنما الشاب/المراهق بالنهاية طلب العلاج من المجتمع، بعد أن عجزت والدته في إدراك الطريق الصحيح والضروري لمساعدة ابنها. فالحب المتناهي وحده لا يكفي، إنما يكفي التقبل، وكذلك الاحترام المتبادل.
○ لنتحدّث عن مرجعيتك أو مراجعك العلمية في تقديم فيلم حول قضية نفسية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؟
• صحيح هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. قابلت العديد من الأطباء النفسانيين. وزودت محمد نزار الذي لعب دور باسل بالعديد من الكتب حول مرض ثنائي القطب والإنفصام، وناقشناها معاً فيما بعد. إلى كتب عن سياسيين أصابتهم هذه الأمراض، ونصوص مسرحية. وكانت لنا الكثير من الأبحاث. بنينا سوياً تقلبات المزاج التي تداهم الشخصية، ومتى وكيف تحصل. درسنا كافة الخطوات بعد القيام بالكثير من الأبحاث.
○ أين يقع عتاب الإبن لأمه وسؤاله لها لماذا لم تصحبه إلى حديقة الأطفال وهو طفل؟ سؤال وقع ضمن مشهدية فيها مخاطرة لماذا؟
• أسئلة الإبن لوالدته فيها دلالة على إنكار الأم المزمن لحال ابنها. والسؤال الآخر المهم إن كانت الأمهات بشكل عالم تلقين تدريباً يفيدهن في حال مرض أحد الأبناء؟ طبعاً لا. أظننا في العالم العربي ما نزال ننظر إلى الطب النفسي كوصمة عار. وهذا ما أردت كسره من خلال فيلم «غرق».
○ أصل نكران المرض النفسي عائلي أم مجتمعي أم أكثر التصاقاً بالأم التي تُهندس نفيه؟
• العائلة والمجتمع مسؤولان. صممت على إظهار المجتمع من خلال هذه العائلة، حيث تجسّد الأم هذا المجتمع. وكذلك الأمر بالنسبة للأب. في الحالة التي جسّدها الفيلم نلحظ بعد الأب النسبي عن حياة عائلته، إضافة إلى كونه خَجِلا من واقع ابنه، ويفشل في التقرُّب منه. في المسار اليومي لهذه العائلة يشعر المتلقي بشرخ فيما بينها. وتباعداً داخلياً غير ملموس بين أفرادها. العائلة جميعها وبدون تصريح منها تعيش وصمة عار من حال الإبن.
○ كيف نسجت هذه الصلة الرحمية بين الأم وابنها والتي وصلت إلى المبالغة؟
• كُتب نقد عن الفيلم أشار إلى علاقة أوديبية بين الأم وابنها، وجدت فيه تجسيداً لواقع علاقة الأم بإبنها في الفيلم. أبحاث متعددة تتحدّث عن العلاقة المتينة التي يبنيها الذكور مع امهاتهن. وبالعودة إلى الفيلم نجد الأم وابنها في حال من الوحدة، حتى صار أحدهما مرآة الآخر. ربما تكون الأوديبية موجودة في كافة الأمراض النفسية الكبرى كما تقول الأبحاث، وهذا ما يؤكد الأطباء.
○ حضر الأب وكأنه لم يحضر لماذا؟
• لم يكن الأب شخصية رئيسية وذلك عن سابق تصور وتصميم. نأى الأب بنفسه عن مشكلة ابنه لأنه لم يعرف كيف يتعامل مع الأمر. وترك الأم بمفردها تزداد غرقاً بحال ابنها.
○ تصاعدت الأزمة النفسية وكادت الأم أن تكون ضحية. هل كان منطقياً الحل المفاجئ الذي شاهدناه والقرار الحاسم الذي اتخذه باسل؟
• الجميع ابدى إعجابه بنهاية الفيلم. وصفت النهاية بالإنسانية والبطولية، لأننا اعتدنا رؤية المريض النفسي شخصية وحشية وسيئة. هذا المريض النفسي صار بطلاً في الفيلم. نهاية لم نشهدها مطلقاً لا في السينما ولا في التلفزيون. الصورة التي ظهر عليها المرضى النفسيون سيئة، وهذا ما بدّله جذريا فيلم «غرق».
○ هل وجدت سهولة في إنتاج فيلم من هذا النوع؟
• وجدت دعماً كبيراً من العالم العربي، ولم يتردد أحد في الاستثمار في موضوع مماثل. في حين وجدت صعوبات جمة مع المنتجين الأوروبيين، وطُرحت عليَ أسئلة مفاجئة من نوع «أنتم في السينما العربية لماذا تتناولون موضوعاً مماثلاً»؟ وجدتهم يتوقعون أن يعالج الأردن عنواناً أكثر جاذبية بالنسبة لهم. كالحديث عن البدو وغيرها من الصور النمطية التي اعتادوها عنا. لم يدر في خلدهم وجود عائلة تعيش برخاء في الأردن. للأسف الغرب يجهل بلادنا العربية وخاصة بلاد الشام، وكأننا ما نزال نعيش في الخيم ونرعى الإبل، وكفى. وهذا مؤسف ومحزن جداً. أذكر هنا أن الفيلم أثبت نفسه، وشارك في مهرجانات كبيرة في أوروبا، ودخل في المنافسات في لندن وفي ألمانيا حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم. بصراحة لم أتوقع أن يُثبت الفيلم ذاته بهذه القوة.
○ كيف وصلت مع محمد نزار إلى التماهي مع شخصية المريض النفسي لهذه الدرجة الكبيرة؟
• ظهر محمد نزار في دور البطولة لأول مرة. وسبق وأدى دوراً في مسلسل «الروابي» على نتفليكس. تدربنا معاً على مدى ثلاث سنوات. قرأ السيناريو قبل التصوير بأشهر قليلة. خلال هذه السنوات كنا نشرب القهوة معاً ونتحاور حول الشخصية وكيف له ان يتخيلها. وهو بدوره كان يكتب وبشكل يومي عن تصوره لدور باسل. تركت محمد نزار يتعلّق بالشخصية قبل أن يتعرّف إليها على الورق. وكما سبق القول قرأ العديد من الكتب حول مرض ثنائي القطب ومرض الانفصام. وزرت الأطباء برفقته، واجتمعنا بأشخاص عاشوا هذا المرض النفسي. كما سعينا لمعرفة أسباب تزايد حالات الانتحار في الأردن. سعيت لأن أضع أمامه مدى عمق وتجذر وصمة العار المتعلقة بالأمراض النفسية وبخاصة المرض الذي نحن بصدده. ووصلنا إلى مرحلة بات فيها محمد نفسه يخشى شخصية باسل.
○ ماذا عن مشهد الأقنعة التي اخترعها باسل وأرعبت الأم؟ وهل لهذا المشهد موقعه النفسي في الحالات المماثلة؟
• نظراً لتعمقي الكبير بموضوع الفيلم شعرت بأن حدثاً غير طبيعياً سيحل بهذا البيت. فكرت بموجودات غرف نوم اخ واخت هذا المراهق. خطرت لي تلك الأقنعة الخاصة بالحيوانات، وماذا سيحصل لو دُمجت الغريزة الحيوانية بغريزة الإنسان؟ خلال كتابتي فكرت بأن مزيداً من اهمال العلاج لهذا المراهق قد يحوله إلى حيوان. ناقشت هذا المشهد مع كلارا خوري ومع محمد نزار خلال التمارين. وحقيقة أقول إنهما كانا في خوف شديد منه. وهكذا جاء المشهد خلال الكتابة وبات كاراكتيراً جديداً من ضمن الفيلم.
○ والفيلم التالي؟
• ما زلت أعمل للخروج من فيلم «غرق»، وأتابع توزيعه. وباشرت الاستعداد لفيلم مقبل.

المصدر : القدس العربي

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *