انتهت المحكومية … فلنسأل، بعلم النفس والإعلام والقانون، عمّا تغير خلالها !

د. تينا ✍️

للسجن باب نعرف متى يُغلق، وموعد يفترض أن نعرف متى يُفتح…

لكن ماذا نعرف عن الإنسان الذي سيعبره؟

نعرف مدة محكوميته، وتاريخ توقيفه، والتهم التي أُدين بها… وقد نعرف كيف أمضى أيامه داخل المؤسسة الإصلاحية.

أما السؤال الأصعب، فيبقى:

ماذا تغير؟

بعد الاعتداءات الإرهابية التي شهدها الأردن، يعود سؤال العقوبة إلى الواجهة، ويحق للناس أن يغضبوا، وأن يطالبوا بحماية أرواحهم، وأن يسألوا عن كل إجراء كان يمكن أن يمنع الجريمة.

لكنني أتوقف عند المسافة بين الحكم القضائي والعودة إلى المجتمع.

تلك المسافة التي تُقاس في الأوراق بالسنوات…

فبماذا تُقاس في النفس؟

انتهاء المحكومية واقعة قانونية.. أما التخلي عن العنف، فهو مسار آخر يحتاج إلى معرفة وتقييم وعمل، وقد يلتقي المساران، لكن مرور الزمن وحده لا يشرح لنا كيف حدث التغير، ولا يثبت أنه حدث أصلاً.

وهنا أجد سؤالاً يستحق أن يدخل النقاش العام:

حين نعاقب شخصاً على جريمة ارتبطت بتبرير القتل، كيف نعمل خلال العقوبة على تفكيك هذا التبرير؟ وكيف نقيم ما أنجزناه قبل أن يعود إلى الناس؟

في مقابلة مع مجلة «BBC Science Focus»، شرحت الباحثة في علم النفس السياسي والأعصاب،د. ليور زميغرود، تجربة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن هذا كله.
بطاقات … وقاعدة للفرز.. مثير وذكي أليس كذلك؟

يبدأ المشارك بمحاولة اكتشاف الطريقة الصحيحة لترتيب البطاقات، ثم يتعلم، من الاستجابة التي يتلقاها، أن المطابقة بحسب اللون مثلاً تمنحه نتيجة صحيحة.. يكرر الطريقة، ويعتادها، ويطمئن إليها.

ثم تتغير القاعدة…

هنا تبدأ اللحظة التي تراقبها الباحثة: ماذا يفعل الشخص عندما تصبح الطريقة التي نجحت سابقاً غير صالحة الآن؟

بعض المشاركين يلاحظون التغير ويبحثون عن قاعدة جديدة.. وآخرون يواصلون التمسك بالطريقة القديمة رغم تغير النتائج.

تستخدم الباحثة هذا الاختبار، المعروف باختبار ويسكونسن لفرز البطاقات، لدراسة المرونة والجمود المعرفيين، وتشرح ارتباطاً وجدته في أبحاثها بين الجمود المعرفي والتشدد الأيديولوجي.

الاختبار لا يخبرنا من سيرتكب جريمة.. تمام، لكنه يفتح أمامي سؤالاً عن طريقة التمسك بالقناعة: ماذا يفعل الإنسان عندما يواجه ما يستدعي مراجعتها؟

هل يفحصها؟

هل يسمح باحتمال خطئها؟

أم يصبح كل ما يناقضها عدواً جديداً يجب إسكاته؟
ومن هنا أنتقل إلى سؤال التأهيل داخل السجن:

إذا كانت الجريمة قد سبقتها قناعة تبيح الاعتداء، فما الذي جرى لهذه القناعة خلال سنوات العقوبة؟

هل خضعت للنقاش؟ هل استطاع صاحبها أن يرى الضحية إنساناً كاملاً، بعد أن اختصرها في وصف يبرر إيذاءها؟ هل تعلم كيف يواجه الغضب والإحباط والاختلاف من دون أن يحولها إلى إذن بالعنف؟

ثم كيف نعرف ذلك؟

فالهدوء داخل بيئة منضبطة له دلالته، لكن العودة إلى المجتمع تضع الإنسان أمام ظروف مختلفة: علاقات قديمة، وضغوط جديدة، وفرص للاختيار لم تكن متاحة بالصورة نفسها خلف القضبان.

لذلك، يستحق الانتقال بين البيئتين إعداداً خاصاً.. مو؟

وهنا يمكن أن نناقش برنامجاً فردياً يبدأ مبكراً خلال المحكومية، ويتكثف في المرحلة السابقة للإفراج، وتتبعه متابعة بعد الخروج ضمن الأطر القانونية.

برنامج يشارك فيه مختصون في علم النفس والسلوك والتأهيل الاجتماعي، وتُستفاد فيه من الخبرات النفسية والدينية والقانونية والإعلامية والفنية بحسب احتياجات الحالة.

يقيم السلوك عبر الزمن، وطريقة تبرير العنف أو رفضه، والعلاقات التي قد تدعم التغير أو تقوضه، والقدرة على بناء حياة تستوعب احتياجات الشخص بوسائل مشروعة.

ويمكن أن تُبحث ضمنه فائدة الاختبارات المعرفية والنفسية الملائمة، متى توافرت الأدلة على صلاحيتها لهذا الاستخدام.

أما فحوص الدماغ، فلا يكفي أن يبدو اسمها علمياً حتى تصبح جواباً عن سؤال أمني معقد، فالعلم نفسه يقتضي أن نسأل: ماذا يقيس الفحص؟ ولمن يصلح؟ وما حدود الاستنتاج منه؟

وقد يخطر سؤال السنة الأخيرة قبل الإفراج: هل يمكن تخصيصها لمرحلة مكثفة من التقييم والتأهيل والاستعداد للعودة؟.. إنه مقترح يستحق الدراسة، على أن تتحدد مدته ومكوناته وفق الأدلة واحتياجات الحالات، وأن يبدأ العمل قبلها بوقت كافٍ.

فالتغير النفسي لا يلتزم دائماً بجدول إداري موحد، والأشخاص الذين جمعهم وصف جرمي واحد قد تختلف دوافعهم ومساراتهم واحتياجاتهم.

كذلك، ينبغي أن تكون للتقييم نتائج عملية: ماذا نفعل عندما تظهر عوامل خطر؟ ما التدخل المناسب؟ من يتابعه؟ وكيف تنتقل المعلومات الضرورية إلى الجهات المختصة وفق القانون؟

وما الذي ينتظر الشخص بعد الإفراج: أسرة مستعدة، وعمل، وعلاقات تساعده على الاستقرار، أم فراغ قد يعود فيه إلى الدائرة التي خرج منها؟

اذاً، التقييم الذي ينتهي بورقة في ملف يترك أسئلته معلقة.. ومن موقعي القانوني، أتوقف عند حد لا يجوز أن يضيع في غضبنا: 

من استوفى عقوبته له حقوق يقررها القانون، ولا يجوز تحويل احتمال الخطر إلى عقوبة مفتوحة، أو اعتبار نتيجة اختبار نفسي إدانةً عن جريمة لم تقع.

وفي المقابل، تظل حماية المجتمع مسؤولية تتطلب تطوير أدوات الوقاية والتأهيل والمتابعة ضمن القانون.

وهذا يفرض على التقييم قدراً كبيراً من الدقة؛ فقد يخطئ فيطمئن إلى شخص يحتاج إلى تدخل، وقد يخطئ فيشتبه بشخص قادر على العودة الآمنة.

لهذا نحتاج إلى قرارات مهنية قابلة للمراجعة، تستند إلى معلومات متعددة، وتعرف حدودها، وتربط كل نتيجة بإجراء مشروع ومتناسب.

وهنا يدخل الإعلام في سؤال ما بعد الإفراج أيضاً؛ فالشخص يعود إلى مجتمع تسهم كلماته وصوره في تشكيل معاني البطولة والانتماء والقوة… ولذلك، يستحق خطابنا أن يخضع للمراجعة إلى جانب برامج التأهيل: ماذا نقول عن مرتكب العنف، عن الارهابي وجريمته؟ وأي صورة قد نصنعها له، حتى ونحن ندينه؟

سبق أن توقفتُ في مقالي ” من “تكفيري” إلى “إرهابي”… مراجعة في لغة الإدانة” عند احتمال أن يستقبل المجرم بعض الأوصاف بوصفها هويةً يتباهى بها، بينما نطلقها نحن باعتبارها إدانة… فالتوصيف القانوني له ضرورته، ودراسة الأيديولوجيا لها أدواتها؛ لكن تكرار الألقاب في الخطاب العام يستدعي سؤالاً آخر: ماذا تفعل هذه الكلمات في مخيلة مَن يبحث أصلاً عن انتساب يعلق عليه جريمته؟

وقد تختبئ المفارقة هنا: نحن نراه اتهاماً… وهو قد يراه انتساباً!

ثم تأتي مساحة الظهور لتضيف إلى الاسم صورةً وحضوراً: كم مرة نكرر اسمه؟ كم مرة نعرض صورته ومقاطع جريمته؟ وكم من الوقت نجعله يحتل شاشاتنا وحديثنا؟ فقد ندينه في كل مرة، ومع ذلك نمنحه حضوراً يخدم غايته، وننقل الخوف إلى أناس لم يكونوا في مسرح الجريمة أصلاً.

وهنا أستعيد ما توقفتُ عنده في مقالي “٤٧ ثانية… قبل أن ينصرف العالم”، انطلاقاً من حديث جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن ندرة الانتباه وأهمية اختيار ما نمنحه إياه… ومن هذا المعنى أطرح سؤالنا الإعلامي: لمن نخصص هذا المورد النادر؟ للضحايا وحكاياتهم، وللمعرفة التي تساعد على حماية الناس، ولمساءلة أسباب تكرار العنف؟ أم يستحوذ القاتل على المشهد، حتى ونحن نشتمه؟

فماذا لو كنا، ونحن نتسابق على إدانته، نُكمل له بعض ما أراده؟ هو يرتكب الجريمة في مكان، ونحن قد نوسع مسرحها إلى كل بيت… ثم نظن أن الإدانة في أول الخبر تعفينا من مساءلة ما فعلته بقيته!

هذا لا يعني أن لقباً يصنع إرهابياً، أو أن تغطيةً تقرر وحدها عودته إلى العنف… لكنه يجعل مراجعة اللغة والصورة ومساحة الظهور جزءاً من مسؤوليتنا عن البيئة التي يعود إليها الخارج من السجن، ويتلقى منها غيره رسائل عن معنى القوة والاعتراف والانتماء.

ولهذا، تحتاج التغطية إلى الدقة نفسها التي نطلبها من التقييم النفسي: فلا نحول اختبار المرونة المعرفية إلى “كاشف إرهابيين”، ولا نستنتج من واقعة واحدة مصير كل من خرج من السجن… ونتحقق من أسباب الإفراج ومدده وسنده، ونسأل عن نتائج التأهيل والمتابعة، حتى يتحول اهتمامنا من استهلاك الجريمة إلى معرفة ما يمكن أن يحد من تكرارها.

وأعود هنا إلى البطاقات…

إلى تلك اللحظة الصغيرة التي تتغير فيها القاعدة، ويصبح على الإنسان أن يراجع الطريقة التي اعتادها.

في الحياة، الأمر أعقد بكثير… هناك دم وحقوق ومسؤوليات، وهناك إنسان قد ينجح في اختبار ويخفق أمام غضبه، وقد يتعثر في اختبار ثم يعيش حياته من دون أن يؤذي أحداً.

ومع ذلك، يبقى السؤال الذي أثارته التجربة جديراً بأن يرافقنا:

ماذا يفعل الإنسان حين تصبح قناعته موضع مراجعة؟

وحين يُفتح باب السجن، ماذا نعرف عن الإجابة؟

انتهت المحكومية…

فلنسأل، بالعلم والقانون، عما تغير خلالها ✍️ د. تينا

‏X

‏X

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *