د. تينا المومني تكتب : ٤٧ ثانية… قبل أن ينصرف العالم

أحياناً، لا تحتاج الفكرة الكبيرة إلى حدث كبير كي تبدأ…

يكفيها رقم.

٤٧ ثانية فقط…

رقم مر في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أشار إلى أن متوسط مدة الانتباه أثناء مشاهدة الشاشات انخفض من دقيقتين ونصف عام ٢٠٠٤ إلى ٤٧ ثانية اليوم.

قد يبدو الرقم عابراً…

لكنني توقفت عنده.

ليس لأن الرقم لافت فحسب…

بل لأن جلالة الملك لم يتركه حيث وُلِدْ.

أخذه من الشاشة… وأدخله إلى قاعة الأمم المتحدة.

ومن هنا، بالنسبة لي، بدأ الخطاب يأخذ معنى آخر، ماذا يحدث للأشياء التي تحتاج أكثر من ٤٧ ثانية حتى نفهمها؟

ماذا يحدث لحرب؟

لمأساة؟

لشعب؟

لقضية عمرها عقود؟

ماذا يحدث لشيء لا يمكن اختصاره في مقطع، ولا احتجازه في عنوان، ولا إبقاؤه طويلاً في ذاكرة عالم ينتقل كل يوم من أزمة إلى أخرى؟

هنا لم أعد أقرأ الرقم عن الانتباه…

قرأته عن العالم.

وهذه هي النقطة التي أظن أن كثيرين قد يمرون عليها سريعاً… رغم أنها ربما كانت واحدة من أكثر مفاتيح الخطاب ذكاءً.

لأن جلالة الملك لم يقل فقط إن الإنسان أصبح أقل انتباهاً.. ذهب إلى ما هو أبعد…

إلى أن الانتباه أصبح مورداً نادراً، وأن اختيار ما نعطيه انتباهنا أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، وماذا لو كان الانتباه، في السياسة، أكثر من مجرد انتباه؟.. ماذا لو كان ما نمنحه انتباهنا… وما نسحبه منه… جزءاً من صناعة الواقع نفسه؟

ما ينتبه إليه العالم… يبقى حاضراً، وما يتوقف العالم عن النظر إليه طويلاً… قد يبدأ بالاختفاء من الوعي، حتى لو ظل قائماً في الواقع.. وهنا تصبح المسألة أخطر من شاشة.

الحرب لا تنتهي لأن الشاشات انتقلت إلى خبر آخر… والألم لا يصبح أقل ألماً لأن العالم تعب من مشاهدته، والاحتلال لا يصبح أقل خطورة لأن مدته أصبحت أطول من قدرة الأخبار على إبقائه في الواجهة.

لكن الإنسان يتعب…

والخبر يتغير…

والشاشة تمررنا إلى شيء آخر.

وهنا…

ربما تبدأ الحكاية الحقيقية.

لأن بعض القضايا لا تحتاج من العالم أن يراها فقط…

تحتاجه أن يبقى.

أن يتذكر.

أن لا يسمح للزمن بأن يقوم، بهدوء، بما لم تستطع السياسة أن تقوم به صراحة.

أن يجعل الشيء المرفوض… مألوفاً.

وربما لهذا توقفت أيضاً عند فكرة جلالة الملك بأن التاريخ نادراً ما يفاجئنا، وأن الأحداث تتطور بينما نكون منشغلين بأشياء أخرى.

كم من شيء عرف العالم مقدماته؟.. وكم من أزمة لم تبدأ يوم انفجرت… بل يوم كان الجميع ينظر إلى مكان آخر؟

التاريخ، ببساطة، لا يعمل بخوارزمية الشاشة… ولا يعرف أن لدينا ٤٧ ثانية فقط.. الأزمات لا تنتظر انتهاء وقت المشاهدة، والحروب لا تسأل إن كان العالم ما زال مهتماً، والقضايا لا تفقد حقيقتها لأن عدد المتابعين انخفض.

وهنا يصبح الرقم أكثر من رقم.

يصبح طريقة لقراءة سلوك العالم.

فحين انتقل خطاب جلالة الملك من الانتباه إلى غزة، ومن غزة إلى الضفة الغربية، ومنهما إلى القانون الدولي والسلام والأمن الإقليمي ومستقبل العالم… بدا لي أن الموضوع لم يكن انتقالاً بين ملفات، كان السؤال نفسه يلاحق كل ملف:

إلى متى سيبقى العالم منتبهاً؟

وإذا انصرف… ماذا يحدث؟

ففي حديثه عن غزة، لم يكتفِ بوصف المأساة، بل توقف عند الطريقة التي يُعامل بها الانتهاك المتكرر…

ذلك المؤقت الذي يتكرر…

حتى يصبح دائماً.

وذلك الدائم الذي يتكرر…

حتى يصبح نهجاً.

وهنا تحديداً تصبح الذاكرة السياسية مسألة أخطر مما تبدو.. لأن الإنسان قد ينسى خبراً…

لكن العالم حين ينسى قضية، قد يسمح لواقع كامل بأن يتسلل من خانة غير المقبول إلى خانة المعتاد.

وربما هذه هي أخطر لحظات التاريخ…

ليست اللحظة التي يقع فيها الشيء فقط… بل اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن الدهشة منه..لأن الدهشة، في أحيان كثيرة، هي آخر حواجز الاعتياد.

ولهذا، لم أقرأ حديث جلالة الملك عن الانتباه كمقدمة ذكية لخطاب طويل…

قرأته كمفتاح.

والمفتاح أحياناً لا يفتح باباً واحداً.

يفتح الخطاب كله.

فالرقم الذي بدأ بـ٤٧ ثانية، أخذنا إلى سؤال عن الذاكرة… والذاكرة أخذتنا إلى المسؤولية… والمسؤولية إلى المستقبل.

وهنا، في رأيي، تكمن براعة الفكرة.

ليس في الرقم نفسه…

بل في المكان الذي وضعه فيه جلالة الملك.

أن تأخذ ملاحظة صغيرة عن سلوك الإنسان أمام الشاشة، ثم تضعها أمام مؤسسة يفترض أنها تمثل العالم كله…

ثم تجعل القارئ يسأل نفسه عن سلوك العالم أمام أزماته…

هذه ليست مجرد طريقة في ترتيب الكلام.

هذه طريقة في التفكير.

والفرق بينهما…

كبير.

لأن العالم اليوم لا يعاني من نقص المعلومات.

لدينا أخبار أكثر مما نحتمل.

صور أكثر مما نستطيع حفظه.

أرقام أكثر مما نستطيع قراءته.

وشاشات لا تتوقف عن إخبارنا بما يحدث…

لكن كثرة ما نراه لا تعني بالضرورة أننا نرى أكثر.

وربما المشكلة ليست أن العالم لا يرى… بل أنه يرى كثيراً… ولا يبقى طويلاً.

وهنا تصبح الـ٤٧ ثانية قاسية بطريقة أخرى.

كم من الوقت نحتاج كي نفهم ظلماً؟

كم من الوقت نحتاج كي ندرك أن أزمة ما لن تبقى داخل حدودها؟

كم من الوقت نحتاج كي نعرف أن ما نراه الآن… قد يكون جزءاً من شيء سَيُعَرِّفْ لنا المستقبل لاحقاً؟

ثم هناك سؤال لا أحب أن أتركه يمر بسهولة:

ماذا لو كان عمر الخبر أقصر من عمر الجريمة؟ .. وماذا لو أصبح العالم، من كثرة ما يرى، أقل قدرة على الدهشة؟

عندها لا تعود المشكلة في الإعلام وحده…

تصبح في الذاكرة.

لأن ما نعتاد عليه، نتوقف عن مقاومته بالقدر نفسه.

وما نتوقف عن مقاومته… قد يتحول، ببطء، إلى أمر طبيعي.

وهنا أفهم أكثر خاتمة جلالة الملك، حين ربط مستقبل العالم ليس فقط بما نفعله… وإنما بما نختار أن نتجاهله.

الجملة تبدو بسيطة… لكنها ليست كذلك.

لأن الفعل قرار..

والتجاهل… قد يكون قراراً أيضاً.

أن ترى ثم تفعل شيئاً… موقف.

لكن أن ترى… ثم تختار ألا ترى…

فهذه قصة أخرى.

وربما أخطر.

لأن التاريخ لا يُكتب فقط بما فعلناه…

أحياناً يُكتب أيضاً بما سمحنا له بأن يستمر.

ولهذا، ربما لم يكن السؤال الأعمق في خطاب جلالة الملك:

ماذا يحدث عندما يقل انتباه الإنسان؟

بل…

ماذا يحدث للعالم عندما تصبح ذاكرته أقصر من أزماته؟

وهنا تحديداً أجد نفسي أمام جلالة الملك لا كمن يعدد ما قاله في خطاب أمام الأمم المتحدة…

بل كمن يقرأ طريقة بناء الفكرة نفسها.

وهذا هو الفارق بين أن تسمع خطاباً…

وأن تنظر إلى ما وراءه.

فالكلمات ليست دائماً في الجمل التي قيلت.

أحياناً…

في العلاقة التي يتركها المتحدث بين جملة وجملة.

بين رقم صغير…

ومشهد كبير.

بين ٤٧ ثانية على شاشة…

وعقود لا تنتهي في التاريخ.

ومن هنا كانت الكلمة التي بقيت معي بعد الخطاب:

الانتباه.

ليس لأن العالم يحتاج إلى مزيد من الأشياء التي ينتبه إليها…

بل لأنه ربما يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يعرف ما الذي لا يجوز أن يتوقف عن الانتباه إليه، وهذه مسألة مختلفة تماماً، لأنك تستطيع أن تنصرف عن خبر… لكن ماذا لو انصرفت عن قضية؟

تستطيع أن تغلق الشاشة… لكن هل تستطيع أن تغلق التاريخ؟

تستطيع أن تقول: حدثٌ آخر… لكن هل يملك العالم هذه الرفاهية دائماً؟

وربما لهذا كله، لن أتذكر من خطاب جلالة الملك رقم ٤٧ ثانية بوصفه رقماً عن الشاشة فقط.

سأتذكره كاختبار صغير جداً…

وُضع في بداية خطاب كبير…

ليطرح سؤالاً أكبر:

كم من الوقت يستطيع العالم أن يبقى منتبهاً… قبل أن ينصرف؟

لأن الإنسان يستطيع أن يمرر الشاشة إلى الخبر التالي…

أما العالم…

فليس دائماً قادراً على تمرير التاريخ.

وربما…

هذه هي الـ٤٧ ثانية التي تستحق أن نتوقف عندها..

قبل أن ينصرف العالم… ✍️ د. تينا

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *