اكتشف المجلس الأعلى للسكان أن المجتمع الأردني يتميز بتركيب عمري فتي.
خبر مفرح.
2.4 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة.
و2.6 مليون طفل تحت سن 15 عاما.
يعني البلد مليان شباب وأطفال.
باختصار، الأردن لا يعاني من نقص في الأعمار الصغيرة.
الأردن يعاني فقط من مشكلة بسيطة:
ماذا سنفعل بكل هؤلاء عندما يكبرون؟
الشباب موجودون… والوظائف في الطريق
المجلس يقول إن أعداد الأردنيين الداخلين إلى سن العمل ستبقى مرتفعة خلال السنوات المقبلة.
ممتاز.
يعني لدينا مستقبل واضح.
كل سنة يدخل إلى سوق العمل شباب جدد.
والدولة، من جهتها، ستواصل الاستثمار في التعليم والتدريب والتشغيل وتهيئة الظروف المناسبة.
وهي جملة جميلة جدا.
«تهيئة الظروف».
عبارة مطاطة تستطيع أن تحمل أي شيء.
وظيفة؟
تهيئة ظروف.
راتب يكفي؟
تهيئة ظروف.
بيت؟
تهيئة ظروف.
زواج؟
تهيئة ظروف.
أما الشاب نفسه، فيبدو أن عليه أن يتهيأ للظروف.
2.9 مليون مولود… يا جماعة الخير!
بين عامي 2010 و2025، وُلد قرابة 2.9 مليون أردني.
بمتوسط يتجاوز 180 ألف مولود سنويا.
وهذا يعني أن الأردن كان، طوال هذه السنوات، ينتج أجيالاً كاملة من الشباب.
والسؤال الذي يبدو أن أحدا لم يسأله في غرفة الولادة الاقتصادية:
هل أنتجنا معهم ما يكفي من الوظائف؟
لأن الطفل عندما يولد لا يطلب وظيفة.
ولا يسأل عن الضمان.
ولا يهتم بكلفة السكن.
ولا يعرف أن الاستقلال المالي صار هدفاً يحتاج إلى خطة استراتيجية.
الطفل يكبر فقط.
ثم يصبح شابا.
ثم يكتشف أن الدولة كانت تنتظره.
والوظيفة كانت تنتظر شيئاً آخر.
الشباب يريدون الزواج… بشرط صغير
المجلس أشار أيضاً إلى أن الاستقرار المالي والسكن من أبرز العوائق أمام الزواج.
وهنا وصلنا إلى الجزء الذي لا يحتاج إلى استطلاع دولي.
الشاب الأردني يعرف.
والبنت الأردنية تعرف.
وأهل الاثنين يعرفون.
والحارة كلها تعرف.
الزواج جميل.
الأطفال يجلبون الفرح والسعادة.
والاستقرار الأسري شيء رائع.
لكن هناك تفصيلاً صغيراً جداً اسمه:
المصاري.
ذلك الاختراع الذي لم يرد ذكره في كتب التربية الوطنية باعتباره عنصرا أساسيا في تكوين الأسرة.
الشاب يريد أن يتزوج.
لكن قبل أن يتزوج عليه أن يجد عملاً.
وقبل العمل عليه أن يجد فرصة.
وقبل الفرصة عليه أن يملك خبرة.
وقبل الخبرة عليه أن يجد من يعطيه الخبرة.
وهكذا يتحول الشاب إلى مشروع وطني كامل.
فتي في الإحصاء… بالغ في الفواتير
أجمل ما في الموضوع أن الشباب الأردني متفائل.
وهذا شيء يستحق الاحترام فعلاً.
لأن التفاؤل في بلد ترتفع فيه تكاليف الحياة يحتاج إلى مهارة بحد ذاته.
الشاب يتخرج.
يبحث عن عمل.
يجد عملاً.
يفرح.
يكتشف الراتب.
يبحث عن سكن.
يكتشف الإيجار.
يفكر بالزواج.
يكتشف تكاليف الزواج.
ثم يجلس قليلاً.
ويعيد التفكير في معنى «الاستقرار المالي».
ومع ذلك، يبقى متفائلاً.
لأن الإنسان الأردني تعوّد أن يعيش على الأمل.
وأحياناً على وعد بالأمل.
وأحياناً على خطة للأمل.
جيل منتمٍ ومنتج ومؤثر… يا رب
الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026-2030 تريد بناء جيل من الشباب «منتمين ومنتجين ومؤثرين».
ونحن مع هذا الكلام.
بل نريد أن نضيف صفة رابعة:
«مرتاحين».
فالشاب يمكن أن يكون منتميا.
ومنتجا.
ومؤثرا.
لكن إذا كان راتبه يختفي في منتصف الشهر، فلا تطلب منه أن يكون مؤثرًا أكثر من اللازم.
وإذا كان يعمل بوظيفة لا تؤمّن له الحد الأدنى من الاستقرار، فربما يحتاج إلى بعض الوقت قبل أن يبني «مستقبلاً مستداما».
أما إذا كان لا يعمل أصلاً…
فهنا يصبح الحديث عن الاستدامة نوعاً من الخيال العلمي.
المشكلة ليست أن الأردن فتي
المشكلة أن الشباب ليسوا رقماً.
2.4 مليون شاب وشابة ليسوا نسبة في تقرير.
هم 2.4 مليون قصة.
2.4 مليون حلم.
2.4 مليون شخص يريدون أن يعيشوا حياة طبيعية:
عمل محترم.
دخل يكفي.
بيت.
زواج.
أسرة.
وشعور بسيط بأن المستقبل ليس فاتورة مؤجلة.
لذلك، نعم…
الأردن بلد فتي.
وهذه ثروة حقيقية.
لكن الثروة البشرية لا تصبح ثروة إلا عندما تجد تعليم جيد، وعمل لائق، وأجر عادل، وسكن ممكن، وفرصة حقيقية لبناء الحياة.
أما أن نكون بلدا مليئاً بالشباب، ثم نطلب من الشباب أن ينتظروا حتى تتحسن الظروف…
فهذا ليس استثمارا نتفي الشباب.
هذا استثمار في صبرهم.
والصبر، مع الاحترام للجميع، ليس له راتب شهري.
