الشعب بانتظار غودو … !

د. تينا ✍️: أجمل الرجال في السياسة… ذلك الذي لم يصل بعد, ليس لأنه الأقدر.. بل لأن الواقع لم يتح له فرصة إفساده في مخيلتنا.. ما يزال صالحاً لكل رغباتنا: اقتصادياً إذا ضاقت الجيوب، سياسياً إذا ضاقت السياسة، جريئاً إذا مللنا الحذر، وحكيماً إذا أخافتنا الجرأة.

باختصار…

ما يزال الرجل لنا، قبل أن يصبح للحكومة… ولهذا تكفي إشاعة صغيرة عن اسمه حتى تتحرك الصالونات، وتضطرب التوقعات، وتُرفع أسماء وتُخفض أخرى، ويبلغ التأويل السياسي حد الرعشة قبل أن يصل الرجل أصلاً، ثم تدخل البلاد في مزاجها المستفيض, ويبدأ ذلك السؤال الأردني القديم باستعادة شهوته:

مين جاي؟

وهون تحديداً بتعرف إن صموئيل بيكيت لو عاش بالأردن، كان وفر على حاله شجرة ومسرحية وشخصيتين… لأن غودو عندنا لا يحتاج إلى الانتظار طويلاً.

يأتي فعلاً.

ويأتي.

ويأتي.

ويظل يأتي.

لكن الغريب أننا، بعد كل هذا الوصول، لم نفقد افتتاننا بالقادم.. فالرجل الموجود صار معروفاً؛ له قرارات، وأخطاء، ووقائع، وأرقام، وما عاد في الخيال متسع كبير لنفعل به ما نشاء,أما القادم…

فما زال لنا.. نلبسه المرحلة قبل أن تلبسه هي, ونضع في جيبه حلولاً لم يعرف بعد أننا ننتظرها منه, ثم ننتظر وصوله.. لا لأننا نعرف ماذا سيفعل، بل لأننا لم نعرف بعد ماذا لن يستطيع أن يفعل, وهذه ميزة القادم دائماً: أنه لم يخذل رغبتنا فيه بعد.

ثم بعد نتفة… تبدأ الأسماء بالدخول…اسمٌ ” قوي “, آخر ” مطروح “, ثالث ” محتمل “, و رابع دخل التشكيلة في المساء، وخرج منها قبل أن تشرق عليه شمس المنصب, والصالونات السياسية تفتح أبوابها, والأسماء تدخل وتخرج بسرعة تستحق دراسة مستقلة, والنواب يمارسون… حقهم الرقابي المشروع… أما الأداء، فتلك مسألة أخرى.

أما الأحزاب، فتدخل موسم التعديل محتفظة بعذريتها الأيديولوجية… وبشهية تنفيذية لا تخطئها العين, وفجأة تصبح البلاد كلها مشغولة بالوصول.. من سيدخل؟ من سيخرج؟ من اقترب؟ ومن بقي خارج التشكيلة هذه المرة؟ مع أن السؤال الذي يفترض أن يكون أثقل من كل هذه الأسماء ليس من وصل إلى الكرسي والمنصب…بل ماذا سيصل منه إلى الناس؟

وهون بتبدأ مشكلتنا مع غودو…

لأننا، من فرط انتظار الرجل، كدنا ننسى لماذا نريده – بلهفة – أن يأتي, والحكومة تعرف هذه اللهفة… تعرف أن للبدايات عندنا حصانة عاطفية قصيرة؛ لحظة صغيرة بين إعلان الأسماء واصطدامها بالواقع، يكون فيها القادم قادراً على كل شيء تقريباً, فتدخل الحكومة – مثلاً- محملة بالأولويات والبرامج والخطط والمؤشرات، ونستقبلها بما تبقى لدينا من حسن الظن.

ثم يبدأ الاحتكاك…

والاحتكاك، كما تعرفون، يفضح أشياء كثيرة.

فالبرنامج الذي كان مثيراً على الورق يصير موازنةً وقراراً وتنفيذاً، والاسم الذي ملأ الصالونات يصير أداءً يمكن قياسه، والرجل الذي كان يحتمل كل خيالاتنا عنه يصبح مضطراً إلى فعل شيء واحد على الأقل كما تخيلناه.

وهون تبدأ حرارة البداية بالهبوط…

ليس لأن الأردني يملّ سريعاً بالضرورة, بل لأن الواقع لا يجامل أحداً.. البطالة لا تنبهر باسم الوزير.. والمديونية لا تقرأ سيرته الذاتية.. والاستثمار لا يقع في حب التصريحات, وفاتورة الكهرباء لا تعرف أن الحكومة ما زالت في شهر العسل.

ثم لما وبعد نتفة…

نعود إلى السؤال نفسه..

مين جاي؟

وهكذا لا تفشل العلاقة بين الشعب والرجل الذي ينتظر وصوله – مش مهم لوين- أقول لا تفشل تلك العلاقة تماماً، ولا تنجح تماماً.. فقط يتغير الرجل… وتبقى الرغبة معلّقة, يمكن معلقة على الأحزاب ..! تلك التي كان يفترض أن تأتي لتفسد علينا هذه العادة الجميلة, أن تقول لنا: كفى انتظاراً للرجل؛ انتظروا البرنامج, لا تسألوا من سيصل الى الكرسي ولا من سيدخل فقط، اسألوا ماذا سيدخل معه, لا تمنحوا الاسم كل هذه الفتنة؛ أعطوا الفكرة بعضاً منها.

فالتحول إلى حياة حزبية برامجية، في معناه السياسي الحقيقي، يفترض أن يجعل الحزب أكثر من مجموعة أشخاص نجحوا في الوصول، وأن يجعل الناخب قادراً على ربط الاختيار بسياسات ومواقف يمكن مساءلتها.

فكرة ممتازة.. على الورق تحديداً, لأن ثقافة عمرها عقود لا تفقد عذريتها لمجرد أن القانون فتح لها الباب… والأحزاب نفسها لا تصبح برامجية لمجرد أن كلمة ” برنامج ” موجودة في مطبوعاتها, فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقترف الحزب السلطة، لا حين يغازلها من بعيد, وقتها يصير للبرنامج ثمن, وللموقف تبعات, وللشعار فاتورة, ويصبح السؤال ألذ من سؤال الوصول نفسه:

إذا دخل الحزبي… هل يدخل الحزب معه؟ أم يصل الشخص إلى موقعه، ويظل البرنامج ينتظره في الخارج؟ .. لأن الوصول إلى الكرسي شيء.. وإدخال السياسة إليه شيء آخر تماماً.

وهون بيظهر مجلس النواب في المكان الذي يجب أن يظهر فيه، لا كفاصل جديد في المقال; فالحكومة التي تعمل تحتاج إلى من يراقبها، والحزب الذي يعد يحتاج إلى مساحة يُختبر فيها، والمواطن الذي ينتخب يحتاج إلى أن يعرف ماذا فعل صوته بعد أن غادر إصبعه.

فالمجلس ليس صالة انتظار للحكومة المقبلة, – وعلى سيرة الانتظار والحكومات ، فـ للحكومات الأردنية قاموس عاطفي خاص بها أيضاً.. فمرة قيل لنا إننا في ” عنق الزجاجة ” ويا رعاك الله… دخلنا العنق يومها بنية الخروج, ثم اكتشفنا أن المسألة طالت أكثر مما ينبغي، وأن أجيالاً كاملة وُلدت في العنق، درست فيه، تخرجت فيه، بحثت عن وظيفة فيه، وفكرت حتى بالزواج داخله… حتى كاد عنق الزجاجة يتحول من مرحلة اقتصادية إلى عنوان سكن دائم, لكن حبيبي المواطن تحمل الضيق, لا أعرف كيف احتمل كل هذه السنوات في العنق, لكنها، على كل حال، مرونة وطنية تستحق الدراسة – .

عموماً أقول , فالمجلس ليس صالة انتظار للحكومة المقبلة, ولا المقعد النيابي مكافأة وصول, هو تشريع ورقابة ومساءلة وتمثيل سياسي… لكن علاقتنا بالنائب فيها، هي الأخرى، شيء من الالتباس الجميل… نريده عيناً على الحكومة…وعيناً على معاملتنا, نريده مشرعاً حين نتحدث عن هيبة المؤسسات، ومكتب خدمات حين تتعطل لنا مؤسسة, نريده أن يمارس دوره الرقابي بكامل القوة… ثم نطلب منه، بين ممارسة وأخرى، إنه ” يشوفلنا ” الموضوع.

وهون ما في داعي أشرح أكثر.

حضرتكم كبار.

وبعد كل هذا الدخول والخروج والممارسة والوصول، يظل عندنا شيء واحد لم يصل:

الأثر…

والمشكلة أن الأثر، حين لا يصل إلى المواطن… يصل إليه غيابه.

فالأردني لا يحتاج إلى كثير من المؤشرات ليتأكد؛ يكفي أن يراقب علاقته القديمة مع كيس المشتريات – مثلاً- كان يدخل السوبرماركت ومعه قائمة, واليوم يدخل ومعه مفاوضات سلام.. هذه ضرورية..هذه منقدر نأجلها..هذه رجعها, والعجيب أن الأشياء المؤجلة عنده لا تختفي.

تتراكم في كلمة واحدة: بنشوف…

و انتبه ” بنشوف” ليست جواباً أصلاً… هي غرفة انتظار صغيرة نحشر فيها ما لا نستطيع حله الآن: الوظيفة؟… بنشوف, تحسن الدخل؟… بنشوف, القرض؟…لا. القرض لا يؤمن بهالفلسفة, والكهربا كذلك, أما المخالفة، فمن بين مؤسسات حياتنا كلها، عندها وضوح رؤية يُحسد عليه:

هيي شايفتك.

وهون، بين الأشياء التي ” بنشوفها ” والأشياء التي شايفيتنا، يعيش المواطن مرحلة كاملة من حياته – يكبر الأولاد… غصب عنهم.. يتقاعد الأب… أو بيموت جلطة.. بيتغير رقم السيارة… أو بتنحرق لحالها وهي واقفة – تنتهي حكومة وتأتي أخرى, وبعض الأمنيات، من طول ما ظلت ” قيد الدراسة ” صار لازم نحدث بياناتها.. ويمكن لهيك ننتظر القادم بكل هذا الشغف.

ليس لأن الأردني ساذج ويعتقد أن رجلاً واحداً سيوقع في صباحه الأول فتختفي البطالة، وتنخفض الأسعار،وتمحى المخالفات, ويخفض البنزين, وتُمحى القروض.. لا .. هوي بيعرف, وربما يعرف أكثر مما ينبغي.. لكنه، من كثرة ما عاش مؤجلاً، صار عنده ضعف إنساني تجاه كل شيء اسمه: القادم.

فالقادم دائماً أحلى.. لم يرفع عليك الأسعار بعد, لم يعتذر عن توظيفك بعد, لم يكتشف أن ملفك ” قيد الدراسة” بعد, ولم يقل لك الجملة التي حافظت، وحدها تقريباً، على استقرارها عبر كل المراحل:

بنشوف.

القادم، باختصار، ما لحق يزعلنا, وهذه ميزة لا يتمتع بها إلا القادم… وبعض الموتى, ولهذا علاقتنا بغودو ليست سذاجة سياسية بقدر ما هي علاقة طويلة مع الاحتمال, فما دام الرجل لم يصل، نستطيع أن نضع فيه كل ما لم يصل إلينا (وظيفة, فرصة, عدالة, وربما نتفة رخاء، إذا لم تعتبرها الموازنة طلباً مبالغاً فيه.

غودو لم يعد رجلاً ننتظره… صار آخر مكان نخبئ فيه الأشياء التي وعدتنا بها كلمة ” بنشوف” … ولهذا ربما لا نحب غودو لأنه سيأتي… نحبه لأنه، ما دام لم يأتِ، لم يقل لنا بعد: بنشوف.

ومع ذلك، مررنا في حياتنا السياسية بكثير من الكلام عن الخروج والمرور والقادم الأجمل, حتى قيل لنا ذات حكومة: ” الأجمل لم يأتِ بعد” .. جملة جميلة… ومقلقة جداً لشعب محترف في الانتظار, لأن الذي لم يأتِ بعد هو، بالمصادفة، اختصاص غودو الوحيد, ولا أعرف لماذا تبدو هذه اللغة، حين توضع كلها قرب غودو، كأنها كُتبت للمقال قبل أن أقترف كتابته أنا ..

فتسحبني مشاعري مجدداً الى قاموس حكوماتنا العاطفي, تحديداً الى عنق الزجاجة، فدخلناه كثيراً في الخطاب… وضاق بنا طويلاً، ولم نبلغ بعد لذّة الخروج.. أما ” الأجمل” … فلم يأتِ بعد… يبدو أنه، هو الآخر، بانتظار غودو.

و«كل مُر سيمر»؟ مر.. “رؤسا حكومات, وزراء, أحزاب , نواب, نقابات و جمعيات” , وبرامج كانت يوما ” للمرحلة المقبلة” ، ثم صارت من المرحلة السابقة.. وانا والشعب نتابع هذا المرور الكثيف، محاولين أن نفهم لماذا كل شيء يمر… إلا المرحلة نفسها.

حتى صار عندنا، من كثرة العابرين، ازدحام سياسي محترم… فيما غودو لم يزل في الطريق.. نعم المُر مر… و بقي الطعم.

لهيك مجبورة أخرب عليكم طعمة المقال شوي… لأن أسهل شي انه نترك الشعب تحت الشجرة .. ناطر يا حرام؛ ونحمل الحكومة والأحزاب والنواب كل النص، ثم نذهب إلى بيوتنا مرتاحي الضمير.

لا…

حضرتك مش كومبارس.. إنت أحد أبطال العبث…

تريد دولة مؤسسات حتى تحتاج المؤسسة وعندها يبدأ البحث عن شخص, تريد نائباً يراقب الحكومة، لكنك لا تمانع انه يمشيلك معاملتك, تريد أحزاب برامج، ثم قد تدخل إلى الصندوق وفي رأسك الاسم والعائلة والمنطقة والخدمة، ويخرج البرنامج من الحساب على رؤوس أصابعه, تريد تكافؤ الفرص..أكيد..لكن حين يتأخر دور ابنك، يصبح السؤال الوطني الملح: ما منعرف حدا؟ وبضل تكره الواسطة كراهية مبدئية صلبة… إلى أن تكون واسطتك.. وقتها تتطهر فوراً من ماضيها المشبوه، ويصبح اسمها: ” معرفة “.

وهون تكبر المشكلة أكثر من حكومة لم تنجز، أو حزب لم ينضج، أو نائب لم يؤدِّ, لأننا نطالب بمؤسسات أقوى من الأشخاص… ثم نبحث، عند أول ضيق، عن شخص أقوى من المؤسسة.

ننتظر غودو ليصلح النظام… ونربي غودو صغيراً في كل مرة نريد فيها استثناءً لأنفسنا.

وهون الشعب بيخليني أفهم المسرحية أكتر.. انه بيكيت وضع رجلين تحت شجرة ينتظران شخصاً لا يأتي…

بس نحن طورنا النص أو العلاقة ازا بدك.. عندنا غودو يأتي, ويأتي, ويأتي, ويظل يأتي.

رئيس يصل. وزير يصل. نائب يصل. حزب يصل.. والكل، بطريقة أو بأخرى، مشغول بالوصول, لكن بعد كل هذه السنوات، وكل هذه الأسماء، وكل هذه المقاعد التي امتلأت ثم فرغت ثم امتلأت من جديد، هناك سؤال واحد أفسد علي متعة النهاية:

بعد كل هذا الوصول… ماذا وصل إلى الشعب؟ يمكن وقتها، بدل أن تكون شهوتنا السياسية كلها معلقة بسؤال:

مين جاي؟ ولا كم مره أجا .. نصير نسأل: شو جاي معه؟ والأهم… ماذا أنجز الذي سبقه؟ وقتها فقط نكون قد بدأنا نغادر مسرح بيكيت.

أما الآن…

فغودو يأتي.

ويأتي.

ويظل يأتي…

ونحن، بعد كل وصول، نرتب ملابسنا السياسية وكل خزانتنا .. نعيد إشعال شمعة الأمل، نصب كأسين, ونترك الباب موارباً للقادم.. تعود الأسماء.. تعود التكهنات.. تعود الرغبة.. ونعدل جلستنا.. نلمس عنقنا, وتنهيدتنا تسأل :

مين جاي؟

ربما لأننا لم نكن، طوال هذه السنوات، ننتظر رجلاً أصلاً…

كنا ننتظر وظيفة لا تحتاج واسطة، وعدالة لا تعرف صاحبها، وفرصة لا تُمنح بوصفها منّة، ومؤسسة تعمل من دون أن نبحث عن شخص داخلها، وحزباً يصل برنامجه معه، ونائباً يعرف وزن المقعد، وحكومةً لا يتوقف أثرها عند أبواب التشكيل.. كنا ننتظر حياةً كاملة… وعلّقنا وصولها على رجل.

وهذه، أظن – وإن بعض الظن إثم- كانت أكثر علاقاتنا السياسية عبثاً..

فغودو وصل مراراً.. ووصلنا معه إلى الكرسي، والبرلمان، والحكومة، والحزب، وعنق الزجاجة وأشياء أخرى … إلا إلى ما كنا ننتظره من الوصول.

لذلك, بليز.. دعوا غودو يأتي..

فقد أثبت، على الأقل، أنه يعرف الطريق.

لأن المشكلة ليست في الرجل القادم.. ولا في الرجل الذي سبقه.. ليست المشكلة بالرجل أساساً, المشكلة في تلك الرغبة القديمة التي تجعلنا، كلما خاب الوصول، نبحث عن وصولٍ جديد…

وكأن الأجمل سيأتي مع القادم..

وكأن كل هذا الضيق يحتاج رجلاً آخر..

وكأن ” بنشوف ” هذه المرة ستصبح:

شفنا.

ثم يأتي غودو..

وتبرد البدايات.. وننظر إلى الباب مرة أخرى.. بانتظار غودو؟.. لا.

الأدق أننا بانتظار رجلٍ واحد فقط:

الرجل الذي يصل… فلا نعود نسأل من سيأتي بعده.

والمفارقة؟

هو الوحيد الذي لم يأتِ بعد.

‏X

‏X

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *