حين يصبح الانتباه قراراً سياسياً

غربال الملاذ – في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يتوقف الحديث عند الحروب والأزمات والاقتصاد والأمن والسياسة، بل بدأ من تفصيل قد يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن السياسة: انتباه الإنسان.

لكن جلالة الملك لم يقدمه بوصفه مجرد ظاهرة مرتبطة بعصر الشاشات، بل نقل المفهوم إلى مساحة أخرى حين قال إن الانتباه داخل قاعة الأمم المتحدة «ليس مجرد مورد معرفي فحسب، بل هو أيضاً مورد جيوسياسي»، وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار وضوحاً في الخطاب.

فما يلفت الانتباه الدولي يحظى، بحسب طرح جلالته، بفرصة أكبر لأن يبقى على جدول الأعمال، وأن تستمر حوله الجهود الدبلوماسية، بينما يمكن للأزمات التي يتراجع حضورها أن تتحول تدريجياً إلى واقع مألوف.

ومن هذه الزاوية، ربط الملك بين الانتباه والإهمال وبين ما يحدث فعلياً على الأرض، عندما قال: «فما نهمله اليوم، غالباً ما يشكل مستقبلنا»، هذه الفكرة حضرت لاحقاً في حديثه عن الصراعات الممتدة، وعن غزة والضفة الغربية، وعن تداعيات عدم الاستقرار في المنطقة، وعن سوريا، وصولاً إلى تحذيره من أن المبادئ لا يمكن أن تتغير بتغير انتباه العالم.

كما أن الخطاب لم يطرح الانتباه باعتباره بديلاً عن الفعل، بل وضعه في سياق أوسع: أن يرى المجتمع الدولي الأزمة، ويحافظ على الاهتمام بها، ثم يستخدم الأدوات التي قال جلالته إنها متاحة لديه.

وفي المقابل، لفت الملك إلى أن محاولة تشتيت الانتباه يمكن أن تصبح جزءاً من إدارة الصراع نفسه، عندما قال إن الحكومة الإسرائيلية، وفق ما عرضه في خطابه، تسعى عند مواجهتها بأدلة على اعتداءاتها إلى الطعن في مصداقية منتقديها وتشتيت الانتباه، وبذلك يصبح الانتباه في الخطاب أكثر من مجرد كلمة عابرة.

إنه سؤال عن ما الذي يراه العالم، وما الذي يتركه خارج مجال رؤيته، وماذا يحدث عندما يتحول ما كان مؤقتاً إلى أمر دائم لأن الانتباه عنه انصرف قبل أن تُحل أسبابه، ولهذا ربما جاءت خاتمة الخطاب لتعيد الفكرة إلى مكانها الأول، حين قال جلالة الملك: «المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً».

ومن هنا يمر خطاب جلالة الملك من سؤال الحروب إلى سؤال أعمق: ليس فقط ماذا يفعل العالم عندما يرى الأزمة، بل ماذا يحدث عندما يقرر ألا ينظر إليها طويلاً بما يكفي؟

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *