قبل أن يحدث…

ثمة فرق بين أن تكون مستعداً لما حدث، وأن تكون مستعداً لما قد يحدث، الأولى خبرة تتكئ على الماضي.. أما الثانية… فهي عينٌ مفتوحة على المستقبل.

ولهذا، توقفت عند ما حملته توجيهات سمو ولي العهد للحكومة، خلال ترؤسه جانباً من جلسة مجلس الوزراء اليوم، من فكرة تتكرر خلف أكثر من ملف: ألا ننتظر حتى يحدث الأمر كي نبدأ بالتعامل معه.

ليس لأنني أبحث عن جملة تصلح عنواناً، بل لأنني أعتقد أن بعض الكلمات، حين تُقال في مكانها، لا تكون مجرد كلمات.

تكون طريقة تفكير…

وما استوقفني هنا ليس الجاهزية وحدها…

بل الانتظار.

ماذا يعني أن تنتظر؟

أن تعرف أن شيئاً ما قد يحدث، ثم تؤجل التفكير فيه إلى أن يحدث.. وهذه، في إدارة الدول، ليست دائماً رفاهية بريئة.

فبعض الأشياء حين تحدث، لا تمنحك وقتاً لتسأل: ماذا نفعل الآن؟ لأن “الآن” تكون قد بدأت قبل أن تستعد لها.

قد يتغير طريق.

قد تضطرب سوق.

قد تتأخر إمدادات.

قد ترتفع كلفة.

وقد تأتي ظروف إقليمية لا تختار توقيتها، ولا تستأذن أحداً قبل أن تعبر الحدود..لهذا، فإن الجاهزية الحقيقية ليست أن تملك جواباً حين يأتي السؤال.

الجاهزية.. أن تكون قد فكرت في السؤال قبل أن يُطرح.

ومن هنا قرأت الحديث عن سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي بطريقة مختلفة… المخزون ليس مجرد سلع محفوظة لوقت الحاجة.

هو، في أحد معانيه، قرارٌ اتُخِذْ قبل الحاجة… والبديل ليس طريقاً نبحث عنه عندما يُغلق الطريق الأول.

البديل هو الطريق الذي فكرنا فيه حين كان الطريق الأول لا يزال مفتوحاً.

وهذه التفاصيل الصغيرة، في ظاهرها، هي التي تصنع أحياناً الفارق الكبير بين دولة تفاجئها الأزمة، ودولة كانت قد فكرت في احتمالها.

ولأنني أؤمن أن الزاوية أحياناً أهم من الخبر نفسه، فإنني لا أرى أن فكرة الجاهزية تنتهي عند سلاسل التوريد..

هي تمتد إلى الاقتصاد.

إلى السياحة.

إلى الخدمات.

إلى التكنولوجيا.

وحتى إلى طريقة بناء العلاقات مع العالم…

فحين يكون التوجيه بمتابعة الجهود لفتح آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع مختلف دول العالم، فإن المسألة لا تتوقف عند أن نفتح الأبواب.. الأهم: ماذا سنفعل بعد أن تُفْتَحْ؟

كيف تتحول العلاقة إلى فرصة؟.. والفرصة إلى خطة؟

والخطة إلى تنفيذ؟.. والتنفيذ إلى أثر يصل، في النهاية، إلى المواطن؟

لهذا لفتني أيضاً الحديث عن خطط تنفيذية مدروسة ومرتبطة بأطر زمنية.

لأن النوايا، مهما كانت جميلة، لا تبني اقتصاداً.. والأفكار، مهما كانت ذكية، لا تصبح واقعاً وحدها.

هناك دائماً مسافة بين أن نعرف ما نريد… وأن نعرف كيف نصل إليه… والجاهزية تسكن في هذه المسافة.

حتى في الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات، أرى الخيط نفسه، فالبيانات ليست مجرد أرقام نقرأها بعد وقوع الحدث، حين تُدار كما يجب، يمكن أن تصبح عيناً ترى المؤشرات قبل أن تتحول إلى نتائج.

والذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية نضيفها إلى قائمة “ما يجب أن نواكب فيه العالم”.. قيمته الحقيقية تبدأ عندما يجعل القرار أكثر دقة، وفي الوقت المناسب..

أن نرى قبل أن تتضح الصورة كاملة.

أن نلتقط الإشارة قبل أن تصبح أزمة.

أن نعرف أين يتحرك الواقع، قبل أن يضطرنا إلى اللحاق به.

وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من مفهوم الجاهزية نفسه… لا لأنه يعرف المستقبل، بل لأنه يساعدنا على ألا نكون عمياناً أمام مقدماته.

وهذا كله، في النهاية، لا معنى له إذا لم يصل إلى المكان الذي يجب أن يصل إليه المواطن، لأن كل هذه المفاهيم الكبيرة – الاقتصاد، السياحة، سلاسل التوريد، البيانات، التكنولوجيا، العلاقات الدولية – لها امتحانٌ واحد، وهو:

ماذا بقي منها عند المواطن؟

هل أصبحت الخدمة أسهل؟

هل أصبح الوصول إليها أسرع؟

هل أصبحت الاحتياجات الأساسية أكثر أماناً؟

هل يشعر المواطن أن الدولة لا تنتظر المشكلة حتى تبدأ بالتفكير في حلها؟

هنا تحديداً تصبح مصلحة المواطن ليست عبارة تُقال في مقدمة الأولويات… تصبح معياراً لكل أولوية، وربما لهذا أرى أن عبارة “الجاهزية الدائمة، وليس الانتظار” أكبر من ظرفها المباشر.

هي لا تتحدث فقط عن أزمة نواجهها…

تتحدث عن عقلية..

عن دولة لا تريد أن تعيش في الزمن الذي يأتي بعد الحدث، بل تريد أن تعمل في الزمن الذي يسبقه.

وهنا الفرق…

أن تنتظر الحدث يعني أن تسمح له بأن يحدد إيقاعك… أما أن تستعد له، فمعناه أنك حاولت أن تترك لنفسك مساحة من القرار قبل أن تضيق مساحة الخيارات.

وليس المطلوب أن نتنبأ بكل شيء… من يستطيع أن يفعل ذلك؟!.. لا أحد.

لكن المطلوب ربما أن نعتاد على سؤالٍ أبسط وأصعب في الوقت نفسه: ماذا لو؟

ماذا لو تغير الطريق؟

ماذا لو تأخرت الإمدادات؟

ماذا لو تبدلت الأسواق؟

ماذا لو احتجنا إلى بديل؟

ماذا لو جاءت فرصة لم نكن قد أعددنا لها؟

ماذا لو حدث ما لم يكن في الحساب؟

فالجاهزية لا تعني أننا نعرف ماذا سيحدث… بل تعني أننا احترمنا احتمال أن يحدث ما لا نعرفه..

وهنا، بالنسبة لي، تكمن الفكرة:

أن المستقبل لا يبدأ عندما يصل، وأن بعض القرارات المهمة لا تُتخذ عندما تصبح الضرورة واضحة للجميع.. بل تُتخذ في ذلك الوقت الهادئ الذي لا يبدو فيه أن هناك أزمة أصلاً…

ذلك الوقت الذي يستطيع فيه البعض أن يقول:

“لماذا نستعد لشيء لم يحدث؟”!..

بينما يقول آخر:

“لأنني لا أريد أن أنتظر حتى يحدث”..!

وهنا فقط نفهم الفرق بين الاستجابة والجاهزية… بين أن تلحق بالحدث…وأن تكون قد سبقته بخطوة.

وربما لهذا كله، لم أقرأ عبارة “الجاهزية الدائمة، وليس الانتظار” باعتبارها حديثاً عن ظرف إقليمي عابر فقط.. قرأتها كفكرة عن إدارة المستقبل.

أن لا نعرف ما سيحدث، لا يعني أن ننتظر… بل ربما يكون عدم معرفتنا هو السبب الأول لأن نستعد… فالمستقبل لا يخبرنا بموعد وصوله، ولا يرسل إنذاراً قبل أن يغير قواعد اللعبة.

لكن الدولة التي تفكر جيداً… لا تحتاج دائماً إلى معرفة ماذا سيحدث.. يكفي أن تعرف أن شيئاً ما… قد يحدث.

ومن هنا يبدأ كل شيء… قبل أن يحدث. ✍️د. تينا

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *