من “تكفيري” إلى “إرهابي”… مراجعة في لغة الإدانة

د. تينا ✍️: أعتقد أن الوقت حان لنراجع حتى مفرداتنا.. فكلمة ” تكفيري” ، حين تتحول إلى لقب متداول، قد تمنح المجرم هويةً رمزية يتماهى معها، وربما يتوهم فيها بطولةً أو انتماء.

وهذا، برأيي، أحد أخطر ما قد تفعله اللغة: أن تمنح القاتل اسماً أكبر من جريمته!

ليست كل الجرائم تنتهي عند مسرحها؛ فبعضها يترك وراءه مسرحاً آخر تُرتكب فيه أخطاء من نوع مختلف… مسرح اللغة!

فما إن تسيل الدماء حتى يبدأ سباق البيانات والتصريحات، وتُستدعى المفردات الجاهزة: “فكر تكفيري”، ” تكفيريين”  “عملية إرهابية”، “عمل تكفيري”، “إخوتنا المسيحيون”، “التعايش”  ، ” شركاء الوطن” …

فهل نصف الواقع بلغتنا، أم نعيد تشكيله بها دون أن ندري؟

قالوا: “فكر تكفيري”! .. قيل لهم : طيب , يعني انتوا اتفقتوا بالأول إنه ” فكر”، وبعدين قررتوا تختلفوا على نوعه؟!

طيب، مين قال إنه فكر من الأساس؟ قبل أن نختلف على التكفير… مَن اتفق معكم أنه فكر؟

أنا لا أنكر وجود أيديولوجيات متطرفة تستوجب الدراسة والمواجهة، لكن ثمة فرقاً بين تحليل دوافع الجريمة، وبين تحويل تلك الدوافع إلى هوية رمزية قد يتباهى بها مرتكبها.

في القانون، لا تُحدَّد المسؤولية الجزائية بالألقاب، بل بالأفعال وأركان الجرائم والأدلة، وللإرهاب وصفه القانوني حين تتوافر شروطه، وليس الاعتراض هنا على هذا الوصف، بل على  أسلوب الخطاب الذي قد يحوله إلى لقب يطغى على الجريمة نفسها.

أما نفسياً، فالسؤال يستحق التأمل: هل يمكن لتكرار الأوصاف أن يعزز لدى بعض مرتكبي العنف والمجرمين شعوراً مُتخيَّلاً بالبطولة أو الانتماء؟

إنها إمكانية تستحق الدراسة، لا قاعدة تنطبق على الجميع… لكن تجاهل أثر اللغة ليس أكثر علمية من المبالغة فيه.

ليست الدعوة إلى حذف المصطلحات القانونية أو العلمية، بل إلى استعمالها بدقة، وإلى مساءلة ما تفعله كلماتنا في الوعي العام.

لا تمنحوا القاتل بطولةً لغوية، فبين التوصيف القانوني للجريمة… وهوية يصنعها الخطاب في ميزان علم النفس، لعلّ المشكلة تكون في أننا ما زلنا نعتقد أن المجرم يخجل من الأسماء التي نطلقها عليه!

ومَن قال إنه يخجل؟! ماذا لو كان ينتظرها أصلاً؟ ماذا لو كان يبحث، وسط كل هذا الخراب الذي أحدثه، عن لافتة يعلق عليها فعلته، وعن جماعة يتخيل أنه ينتمي إليها، وعن وصفٍ يُخرجه، في عيني نفسه، من ضآلة المجرم العادي إلى وهم صاحب العقيدة والرسالة؟

فبعض النفوس لا تبحث عن براءة الفعل بقدر ما تبحث عن عنوان تحتمله به… لا تريد أن تثبت أنها لم ترتكب الجريمة؛ تريد أن تقنع نفسها بأنها ارتكبتها لسبب ما! وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: هل ننتبه إلى أننا قد نقدم لبعض هؤلاء، مجاناً، القالب الذي يبحثون عنه لتبرير ما فعلوه؟

فاللقب لا يمنح شرعية قانونية، ولا يغير حقيقة الجريمة، لكنه قد يؤدي وظيفة أخطر في مخيلة صاحبه: أن يعيد تقديمها له بوصفها موقفاً، لا اعتداء؛ ورسالة، لا قتلاً.

ويا للمفارقة… نحن نراه اتهاماً، وهو قد يراه انتساباً!

لذلك، قبل أن نختلف على صفة “تكفيري”، أعود إلى السؤال الذي لا أجد سبباً لتجاوزه:

من الذي قرر أن نمنحه ” فكراً ” أولاً؟!

‏X

‏X

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *