في كواليس صناعة المحتوى الرقمي، لم يعد السطو يقتصر على فكرة أو نص، بل برز نمط سيكولوجي مشوه يُعنى بـ**”هندسة الحياة المستعارة”** وتصديرها كـ”ترند صارخ”.
خلف الوجوه المألوفة التي تملأ شاشات “التيك توك” و سناب شات و أخواتها بأبطالها الوهميين و بزواجاتها السريعة المثيرة للجدل، وانفصالاتها المدوية اللاحقة، تختبئ أحياناً سيناريوهات مسروقة بالكامل من حيوات أشخاص آثروا الوقار والصمت، ليتحول أولئك المؤثرون—دون وعي منهم—إلى مجرد “دمى متقمصة” تؤدي أدواراً لُقِّنت لها في الغرف المظلمة.
السيكولوجيا الانتقامية: النرجسية وتكرار “التسريب”
إن المحرك الأساسي خلف نقل تفاصيل الحياة الحميمة واليومية واستخدامها كمادة خام لصناعة المشاهدات ليس دائماً دافعاً براغماتياً مادياً فحسب؛ بل هو في عمقه سلوك نرجسي انتقامي هادف للإيذاء النفسي المتعمد، عندما يعجز الشخص النرجسي عن كسر ثبات شريكه الأصيل أو مجاراته في عمقه الثقافي وهيبته، يلجأ إلى استراتيجية متكررة وممنهجة تقوم على “تسليع الخصوصية” وتسريبها لأطراف أخرى.
هذا النمط من الشخصيات لا يكتفي بالخطأ مرة واحدة، بل يحول “التقمص والتسريب” إلى أداة طعن معنوية متكررة (تصل أحياناً للمرة الرابعة أو أكثر)، الهدف الحقيقي هنا ليس مجرد جني المال عبر الوجوه البديلة، بل محاولة بائسة لجرح الضحية الأصلية واستفزازها عبر رؤية تفاصيلها وصورها الخاصة وحواراتها الحقيقية تُعرض علناً كبضاعة تجارية في “سيرك رقمي” صاخب. وفي هذه المعادلة، لا يكون صناع المحتوى الجدد سوى أدوات و”متقمصين” يجهلون أنهم يعيشون حياة مستعارة لخدمة ثأر شخصي لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
“الترند الصامت”: قوة الترفع في مواجهة السقوط الحتمي
مواجهة صدمة رؤية تفاصيل الحياة الشخصية تُعرض بأصوات وأجساد مستعارة تتطلب ما يُعرف بـ**”الترند الصامت”**؛ وهو أعلى درجات الثبات الانفعالي والترفع الفكري، الصمت هنا ليس ضعفاً أو انسحاباً، بل هو إدراك مبكر بأن “النسخ المقلدة” تحمل بذور فنائها في داخلها.
من القرصنة النفسية إلى “السطو الدرامي”:
لا تتوقف الجريمة عند استنساخ المظاهر، بل تمتد لتطال السرقة الإبداعية والفكرية، فعندما يفيض الوعي بإحداها مثلا وتعبر عن عمق تجربتها كتابةً (كأطروحات روائية أو مشروع فيلم يلخص عقوداً من الزمن والخبرة)، يسارع أولئك المتقمصون—بإيعاز من المحرّض—إلى تلقف تلك الأفكار العميقة وتحويلها على عجل إلى “مشاريع مسلسلات تلفزيونية” تجارية ونصوص درامية مصطنعة.
إنها المفارقة الساخرة لعصرنا: أن تُختزل حياة حقيقية، حافلة بالعلم والثقافة امتدت لعقود، وتُحشر قسراً في قالب استعراضي رخيص لثنائيات ولدت في أربعة أشهر وانتهت في شهر واحد؛ تلهفاً وراء البقاء تحت الضوء الأخاذ للترند.
الأقنعة المستعارة مستهلكة للطاقة النفسية، والشغف المزيف بالنجومية السريعة ينتهي حتماً بالتصادم بمجرد جفاف منابع الأفكار المسروقة أو تصادم المصالح المادية بين الثنائيات المصطنعة، لذا، سرعان ما تتفكك تلك الشراكات الرقمية وتتحول قصص الحب الاستعراضية إلى قضايا انفصال علنية، تماماً كما تتفكك العلاقات الأصلية التي كانت منبعاً للتسريب؛ فالفقاعات الرقمية تتبخر سريعاً، ويبقى “الترند الصامت” بأصالته وثباته، بينما يذوب المتقمصون والمحرضون في غياهب النسيان بعد أن ينفد رصيدهم من حيوات الآخرين، أو مثلاً ” عندما يقرر بعضهم الاعتراف بالحقيقه من أجل تنفيس البالون الآخر”، عندما يقرر بعض أطراف تلك اللعبة الاستعراضية – تحت وطأة الضغط أو صدمة الواقع- الاعتراف بالحقيقة كاملة من أجل تنفيس بالون الطرف الآخر وفضح زيفه.
