الملك من الأمم المتحدة: ما نتجاهله اليوم قد يصوغ مستقبلنا

أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن العالم يعيش مرحلة استثنائية تتسم بتسارع غير مسبوق في المعرفة والتغيير، مشدداً على أن قدرة المجتمع الدولي على مواجهة الأزمات ترتبط بما يختار أن يمنحه من اهتمام، وما يقرر عدم تجاهله.

وقال جلالته، في خطاب ألقاه الثلاثاء خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن متوسط مدة انتباه الفرد أثناء مشاهدة الشاشة تراجع من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية فقط الآن، معتبراً أن هذا التغير يعكس حقيقة أوسع تتمثل في أن الانتباه أصبح مورداً نادراً.

ووصف الملك الانتباه في قاعة الأمم المتحدة بأنه لا يمثل مورداً معرفياً فقط، بل «مورد جيوسياسي»، موضحاً أن ما يختار العالم أن يوليه اهتمامه يحدد أي النزاعات تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة، وأيها يتراجع إلى هامش جدول الأعمال.

وأشار إلى أن الأزمات الممتدة في المنطقة، من لبنان إلى اليمن والسودان، تؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، لافتاً إلى أن آثار عدم الاستقرار تتجاوز حدود المنطقة لتطال حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس، مستشهداً بتداعيات حرب إيران على ذلك.

وفي الشأن الفلسطيني، قال جلالته إن استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لعقود جاء نتيجة اختيار المجتمع الدولي احتواء الصراع بدلاً من التصدي لحله، مؤكداً أن ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن التعامل معه باعتباره أحداثاً منفصلة.

وأكد الملك أن ما يحدث في غزة لم يعد، وفقاً لما طرحه في الخطاب، قابلاً للاختزال في إطار «تدابير عسكرية مؤقتة، أو تبعات للحرب»، واصفاً ما يحدث بأنه «محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة».

وفي الضفة الغربية، أشار جلالته إلى اتساع عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين، وقال إن ما يحدث يمثل سياسة مترابطة تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم، مستخدماً مصطلح «التهجير القسري، وهو جريمة حرب».

كما انتقد جلالته ما وصفه بالتقاعس السياسي الدولي، مشيراً إلى امتلاك المجتمع الدولي أدوات للتحرك، من بينها العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزل الدبلوماسي، وقال إن القرارات المتعلقة بإسرائيل تبقى «حبراً على ورق».

وحذر الملك من أن التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا وفرض حقائق جديدة على الأرض تمثل إنذاراً إقليمياً، مؤكداً أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو أمنه المائي هو تهديد للأمن القومي، وقال: «لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا».

وأكد جلالته استمرار الأردن في دعم صمود الشعب الفلسطيني والأونروا، وحمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى جانب استمرار المملكة في التصدي للإرهاب وتهريب المخدرات وتعزيز قدراتها الدفاعية وروابطها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية.

وفي ختام خطابه، شدد الملك على أن مبادئ الدول لا ينبغي أن تتغير مع تغير انتباه العالم، مؤكداً أن معالجة الحروب والتهجير والأزمات تتطلب مؤسسات تتمتع بالشرعية، وثقة بين الدول، وثقة في الاتفاقيات والقوانين.

وقال جلالته إن «المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً»

المحرر

المحرر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *